الحرب ضد الوباء لم تلقط أنفاسها بعد، والحذر من غدر هذا العدو اللعين الذي لم يحترم ظروف الشعوب وخصوصياتها واجب وحكمة، وفرض على البشرية امتحان صعب، وقد سجل الأردن بقيادة جلالة الملك نصرا نموذجيا لمحاصرة الوباء من خلال الخطوات الجريئة والسريعة والصحيحة بالتوقيت والتنفيذ، لتثبت مساقا يدرس بالمدارس والجامعات، للقادة وأصحاب الرأي، بأصول الاستعداد وخوض الحروب، وهي مرجع للاستئناس والتدوين، ولكن ذلك ليس مبررا للتراخي أو التراجع تحت أي ظرف، فعدونا غادر، وهو يغزو دول الجوار حتى الساعة بعنف دون هوادة، مؤشر يلزمنا باستعداد دائم حتى لا نعود للبدايات، فتصبح تضحياتنا قربانا ومنشرا لتجفيف أخطاءنا.

هناك مؤشر واضح على المصدر الأساسي لبعض الاخفاقات الميدانية والمتمثلة بزيادة رقعة الاصابات ومساحتها بعد فترة مريحة من صفر الإصابات والتي تجددت بشكل متوقع نتيجة هفوات إجرائية، بالرغم من تحديد مصدرها، وقد حذرنا في هذه الزاوية وبأكثر من مقالة، عن فرصة ترجمة تخوفاتنا لواقع مع توصيات، نعتقد لو أخذ بها، فربما يكون الوضع بأفضل مما عليه الآن، مذكراً، أن الجمل الإنشائية التي تدغدغ العواطف بالحرص والمراهنة على وعي الشعب قد سقطت بأول امتحان، وكانت درسا لم يعلمنا، ونحن اليوم، ليس في مرحلة الحساب أو قذف التهم، فالتحليل وليد للمستقبل، وجيل الكورونا لن يرحم، لكنننا نعترف اليوم وندرك حجم وثمن الجهد الذي بذل للسيطرة على الوباء، فالجميع، اجتهد ونفذ، ومن يعمل قد لا يوفق أحيانا، ومعالجة الثغرة العلاجية اليوم برغم تأخرها واجب وطني، لأنها ستعود بالفائدة علينا جميعا.

الواضح للجميع، أن المصدر والخطر الأساسي للحالات التي تكتشف يوميا خلال الفترة الماضية قد انحصرت بمصدرين؛ سائقوا الشاحنات، العائدون من الخارج، فالمصدر البري الوحيد للشاحنات يتمثل بمركز حدود العمري، وندرك أهميته الإقتصادية والتجارية، ونرى أن يكون هناك تنسيق مع السلطات الصحية والأمنية في المملكة العربية السعودية بحيث يجرى الفحص الدقيق لتشخيص المرض لهؤلاء قبل حضورهم لمناطقنا الحدودية، والتعامل معهم حسب النتيجة كخطوة أولى، ومن يحضر منهم للحدود، تطبق عليه تعليمات الخطوة العملية؛ الفحص والحجر والحجز، على أن تكون كامل مدة الحجز ومقدارها 31 يوما بدون تجزئة والتي تشمل تعهد الحجز المنزلي، وللمرة الألف: ليس هذا الوقت المناسب للرهان على وعي الناس، فحتى حملة الشهادات العليا لم يكونوا على قدر المسؤولية، خصوصا ضمن مساق عواطفنا وعاداتنا الاجتماعية، فالسماح لسائقي الشاحنات بالعودة السلسة تنذر بخطر وطني، فيفضي لعقوبة من التزم بالحجر والتباعد نتيجة استهتار المصابون.

المصدر الأساسي الثاني للإصابات حسب الموجز الصحي اليومي هو العائدون عبر المنافذ الجوية برحلات الطيران التي سيرتها الحكومة لإحضار المواطنين الأردنين من الخارج، وهي حق لهم وخطوة مرحب فيها، وبالرغم من خضوع هؤلاء لفترة حجز الزامية بفنادق البحر الميت والعاصمة، إلا أنني أشدد على ضرورة تشديد ظروف العزل بالحجر، تمديد فترة الحجر لتتضمن الأسبوعين التاليين، بعيدا عن رهانات توقيع تعهدات بحجر منزلي،قد فشل عمليا بجميع درجاته، فهناك حقيقة علمية عن هذا الفيروس متمثلة بعجز العلماء عن؛ تحديد سلوكه الشرس، تحديد خارطته الجينية، تحديد مدة حضانته، وهي الأسباب المجتمعة التي تحول دون التوصل لعلاج للشفاء أو لقاح للمناعة، وما أعلن عنه حتى اليوم، سباق محموم بين المختصين وشركات الأدوية العملاقة، وشكل من التحديات السياسية بين الدول.

لقد زادت التصريحات المتضاربة لأعضاء اللجان الوطنية التي تتولى هذا الملف من ضبابية الموقف، وظهور الخلافات إلى العلن التي نستطيع التقاطها بفطتنا وذكائنا، وهناك تغير بالمحتوى والنبرة لذات الأشخاص، وتضخيم للسلبيات عبر وسائل التواصل الإجتماعي، وكل ذلك أسس لخارطة طريق تلزمنا بضرورة الحذر من الإفراط التفائلي بفرج قريب، فالصور التي تناقلتها وسائل التواصل الإجتماعي على المخابز ومراكز التسوق وإزدحام الشوارع بدون تطبيق قواعد التباعد الجسماني أو ارتداء كمامات الوجه قبل أيام، هي صور طبق الأصل عن مثيلاتها ببداية الأزمة، وحسبتها الرياضية سلبية بأحسن الأحوال، وهي مثال واقعي يترجم سلوكنا الفطري، لتلزم أصحاب القرار بإيجاد الحلول الواقعية وليست العقوبات الجماعية، مذكرا أن العقوبات لن تفيد أو تمنع، ففرصة السيطرة وتجفيف منبع البورة قد اصبح واضحا، وبحاجة لفنون المعالجة والاستماع للنصيحة والتغذية الراجحة وجرأة بالتطبيق، وللحديث بقية.