الأردن، دولة شرق أوسطية، تحتل مركز القلب والعقل في عالمنا العربي، فهي تنبض بالحب والخير للجميع، وبذات الوقت، تفكر بأمن ومصالح الجميع، تتجه اليها المطالب بكل مشكلة مستجدة، والتي تأخذ حقها بالتحليل الهادئ المبني على واقع المعطيات لاقتراح الحلول، استمرارا لنهج وايمان هاشمي راسخ متجدد، أننا جزء من عالمنا العربي، نكبر به ومعه، فلن ننسلخ أو نتخلى عنه، وستبقى أرضنا محجا لطالبي الأمن والسلام، حيث تستضيف ملايين من هجروا بلادهم؛ قصرا وطوعا، بحثا عن الأمن والحرية والطمأنينة والاستقرار، نقاسمهم لقمة العيش، وقطرة الماء، وبالرغم من إمكاناتنا المحدودة ومصادر الدخل المقننة، وقد سطر الأردن بقيادة مليكه المفدى ملحمة تاريخية، شكلت أنموذجا للاقتداء بين دول العالم، عندما خاض حربا شرسة مع الوباء الفيروسي المستجد، بإمكانات وتحديات، جعلته الأقوى، ضمن خطة مدروسة بجميع الاحتمالات وبدائلها، بدأت باستقراء المستقبل للمعركة على جميع جبهاتها، مدعوم بخلفية عسكرية ميدانية، تخطط للمعركة بواقعية، فتوجه قطاعاتها الحربية للبؤر الملتهبة.

اعتمدت خطة الدولة الأردنية على ضرورة اعتبار الملف الصحي وصحة المواطن الأردني بأولوية مهما كانت الكلفة المادية والاقتصادية، فكان قرار تعطيل المؤسسات الحكومية والخاصة للحد من انتشار الوباء، خطوة دقيقة بالتوقيت والتنفيذ، ترتب عليها ضرورة بقاء بتوصيل رسالة اطمئنان لكل مواطن بمنزله، أن حفظ أمنه وقوته هي مسؤولية وطنية، فانتشر أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على مساحة الوطن وحدوده، خطوة منحتنا درجة الاطمئنان بالدرجة الكاملة، ثم كانت التوجيهات الملكية، بالمحافظة على المخزون الاستراتيجي من المواد الغذائية والصحية والعلاجية لفترة آمان قد تمتد حسب سير المعركة في الميدان، بموازاة الحرص على سير العملية التعليمية للطلبة في المدارس والجامعات بمباشرة استخدام تقنيات التعلم عن بعد، وتذليل عقبات التنفيذ حتى لا يفقد الطلبة حقهم بالتعليم.

جلالة الملك فخور بشعبه وعطائه، والعالم يدرك جيدا مدى تعلق الشعب بمليكه، فهو الملاذ والأب لكل منا، فأطل علينا بخطاب متلفز ببداية الأزمة، طمأننا وبشرنا بأن النصر ودحر الوباء يحتاج لتكاتف الجميع، ومسؤوليتنا، ودورنا المحوري بمثالية البقاء في المنازل لفترة زمنية لن تطول، وستتمكن خلالها الأجهزة المختصة من محاصرة بؤر الوباء قبل تماديه بالانتشار، وختم خطابة ودعوته بجملته الشهيرة "شدة وبتزول".

خطة التعامل مع الوباء ترجمت مفاصلها على أرض الواقع، من خلال قرارات تنفيذية في مطبخ صنع القرار بإدارة الأمن والأزمات، مررنا خلالها جميعا بتذبذبات القلق والاطمئنان، اعتمادا على النتائج اليومية لعدد الحالات المشخصة، بمنحنى حدوث وبائي مثالي ونتائج لم يتوقعها أقرب المتفائلين، ليعود جلالة الملك مخاطبا الشعب للمرة الثانية بطلته البهية معلنا قرب نهاية المعركة، فشكر الشعب على الالتزام بالتعليمات التي أثمرت بالخير على الوطن ومقدراته، وبشرنا بعودة مرتقبة لممارسة طقوس حياتنا الطبيعية، وكان المبادر دائما بالتحذير من هفوات وأخطاء قد تعيق وتعطل وتؤخر، فالدقة مطلوبة، بعد جهود مقدرة بذلها منتسبو الجيش الأبيض في الميدان وعلى خط الجبهة وبمسافة صفرية عن العدو اللعين، نتيجة لم تكن عفوية، بل بتضحيات، ساهمت بعودتنا التدريجية لحياتنا الطبيعية، والتي تحتاج منا استيعاب الدروس والعبر لتطوير جزء من عاداتنا وتصرفاتنا، ولكنني متردد بتسميتها بنعمة الوباء.

جلالة الملك، قاد الأردن بحكمة واقتدار لتسطير ملحمة تاريخية، ستدرس للأجيال القادمة؛ فنون تحليل المعطيات، تقدير الإمكانات، ترتيب الأولويات، تصدير الخبرات، وجعلت الأردن يحتل المقدمة بدون منازع بأصول التجانس لكسب المعارك وللحديث بقية.