إن مصطلح الاستقلال سياسي جامع يضم في أكنافه الهوية الوطنية والقومية، والاقتصاد، والثقافة، والحرية. فكيف يكون الأمر عندما يتطلب الحديث عن استقلال وطننا الأردن الغالي الذي بنته ثورة عربية هاشمية أصيلة وجموع القوميات والعشائر الرافضة للهيمنة والاستعمار عبر محطات راسخة في عمق التاريخ المعاصر .

ومع الثورة العربية الكبرى المجيدة وملك العرب وشريفهم الحسين بن علي ورصاصته الأولى من مشارف مكة عام 1916 كانت البداية، وشكلت صيحة عربية هاشمية جريئة بوجه بقايا الامبراطورية العثمانية بهدف بناء دولة إمارة شرق الأردن وبلاد الشام، والمضي قُدماً صوب بناء دولة العرب الكبرى . لكن الصهيونية الماكرة والاستعمارين الانجليزي والفرنسي عبر ما سمي بمعاهدتي سايكس- بيكو ووعد بلفورعامي 1916-1917 كانوا لها بالمرصاد بهدف احباطها مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ولتمرير وتغليب مشروعهم الاستعماري المشترك من وسط فلسطين العربية من خلال تهجير اليهود الرحيل إليها وترحيل أهلها العرب أصحاب الأصول الكنعانية منها .

والوحدة العربية التي ناسبت العرب عبر ثورتهم وما زالت لم ولن تناسب الفرنج يوماً الذين يحدقون حتى الساعة في شأن العرب ووحدتهم ومصيرهم، والباحثين عن بقائهم مفرقين في زمن بقيت فيه الصهيونية موحدة تساند بقاء إسرائيل خادماً أميناً للحرب الباردة المنطلقة مع نهايات الحرب العالمية الثانية عام 1945 .

كتب المؤرخ الأردني الكبير المرحوم سليمان الموسى في مؤلفه " الحركة العربية - سيرة المرحلة الأولى للنهضة العربية الحديثة 19081924 ص 694695 " إن ما يهمنا هنا هو أن الملك حسين قام بالثورة وهو يعتقد اعتقاداً جازماً أن الوحدة العربية ستكون من جملة نتائجها. فكيف كان الملك يتصور بناء تلك الوحدة؟ إن الوثائق المتوافرة بين أيدينا تدل أن الملك كان يتصور وحدة بين الأقطار العربية المتعددة ترتبط ببعضها بعضاً بروابط تشبه روابط الوحدة بين الولايات المتحدة الأميركية، بحيث يتمتع كل قطر بالاستقلال الداخلي التام بينما تتولى الحكومة المركزية السياسة الخارجية، وبحيث تتمثل الوحدة في العلم الواحد والنقد الواحد وجوازات السفر الواحدة، والمصالح الاقتصادية الواحدة والجيش الواحد . انتهى الاقتباس .

والثورة العربية الكبرى التي حطت برحالها جنوب الأردن في مدينة معان وتقدمها الأمير عبد الله الاول الملك لاحقا، وتنصيب الملك فيصل الأول ملكاً على سوريا 1920 ، ومن ثم ملكاً على العراق 1921 -1933، أعطت مؤشراً على أن المنطقة الشامية إلى جانب الحجاز مؤهلة اليوم لمواصلة قيادة وحدة العرب من جديد، والتوسع في المشروع الوحدوي ليشمل كل العرب المحتاجين لتشكيل قطبهم الواحد إلى جانب أقطاب العالم، وليشكلوا من جديد قطباً مستقلاً غير منحاز للغرب أو للشرق في وقت بلغت فيه امكاناته المادية من المصادر الطبيعية ذروتها من نفط وغاز ومعادن ثمينة وبحار .

ويسجل للأمير عبد الله الأول الملك المؤسس لاحقا عام 1946 صنعه لصحافة الاستقصاء بتوقيع "ع" ، وجلبه للمطبعة إلى داخل الأردن من عمق فلسطين - مطبعة حنا نصر عام 1923 . وشكل اغتياله عام 1951 سابقة خطيرة في تاريخ الأردن المعاصر ما زالت ظروفها غامضة حتى يومنا هذا . كتب بكر خازر المجالي مقالة في موقع عمون الإخباري بتاريخ 20 .7. 2013 بعنوان " لازالت الاسرار تكتنف اغتيال الملك عبد الله الأول " تحدث فيها بدقة عن احتمالات الاغتيال مثل قبول جلالته بقرار تقسيم فلسطين رقم 181 لسنة 1947 ، ولطموح جلالته بتحقيق مشروع سوريا الكبرى، وللانتصارات التي حققها الجيش العربي في حرب 1948 ، ولدور جلالته المباشر في وحدة الضفتين عام 1950 ، ولمشروع وحدة الأردن والعراق في عهد جلالته . وشخصيا أرجح أن يكون مشروع وحدة الأردن والعراق الذي امتد إلى منتصف الخمسينات وقوبل بحملة شعبية غاضبة لتحويله الانظار عن الصهيونية واحتلالها لجزء هام من فلسطين عام 1948 هو السبب الأقرب لحادثة الاغتيال يليه موضوع القبول بقرار تقسيم فلسطين المذكور أعلاه هنا والله أعلم بكل الأحوال . وتبقى حادثة الاغتيال مؤسفة بكل تأكيد .

ويواصل مسيرة النهضة الأردنية عام 1952 ملك الدستور وصانعه طلال بن عبد الله الأول . ويحقق نجاحاً دستورياً فريداً سجله تاريخ الأردن والعرب، ولم يتمكن الأردن قبل ذلك من صياغة دستور يرتكز علية نظام الحكم بسبب العراقيل التي اظهرها الانجليز وقتها، ولم تصمد محاولات ابراز دساتير أعوام 1923 و1928 و 1946 .وتمكن الملك طلال تبيان أن نظام الحكم في عهده وإلى الأمام أصبح نيابياً ملكياً وراثياً، وثبت حقوق المواطن الأردني مبكراً عندما أعلن دستورياً بأن الأردنيين أمام القانون سواء، وبأن حرية التعبير مكفولة في إطار القانون ، ونظم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وحدد بأن المملكة الأردنية دولة عربية مستقلة، وبأن الشعب الأردني جزء من الأمة العربية .

وجاء عهد الملك الحسين الباني ليستمر في البناء وعلى كافة المستويات ورغم شح الموارد الطبيعية منذ عام 1953 وحتى عام 1999 . وعرف الأردن وسط العرب وفي الإقليم وعالمياً من خلال اسم جلالته طيب الله ثراه . فكان ملكاً عظيماً حقاً أحبه الأردنيون والعرب والعالم . وأكبر المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية والطبية والأعمال الخدمية " البنية التحتية " بنيت وواصلت البناء في عهد جلالته رحمه الله . ومن أهم انجازات الحسين الراحل الجريئة تعريب قيادة الجيش عام 1956 بعد طرد كلوب باشا وأثنين من معاونيه والقدوم بقيادة أردنية عسكرية بقيادة اللواء راضي عناب .وكما أن الأردن لم يكن مسؤولاً عن نكبة فلسطين عام 1948 بسبب غياب التنسيق العربي وقتها لم يكن الأردن من جديد مسؤولا عن نكسة حزيران عام 1967 التي زجه فيها مشروع جمال عبد الناصر الذي استهدف تحرير فلسطين التاريخية تحت شعار "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة " لكن القوة الواجب امتلاكها لم تكن متوفرة وكانت محدودة والوحدة والعمل الاستخباري لم يكونا بالمستوى المطلوب.

ولم يتفق وصفي التل مع ضرورة معركة حزيران لمنع خسران ما هو أكبر من البشر وعنى وقتها الوطن . وكان الأردن قد فقد بدايات ستينات القرن الماضي هزاع المجالي شهيدا تحديدا عام 1960 وسط ظروف غامضة ذات علاقة بالقضية الفلسطينية وبمشروع الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس كاملة وقتها . وجاء النصر في الكرامة عام 1968 في عهد الحسين الراحل وبدور مباشر لقائد المعركة الميداني البطل مشهور حديثة الجازي وأعوانه الضباك والجنود الأردنيين النشامى وبجهد تاريخي لقواتنا المسلحة الأردنية الباسلة – الجيش العربي والمقاومة الفلسطينية . وهي المعركة التي فرضتها إسرائيل كما باقي معاركها على الأردن والعرب، لكنها لم تتوقع خسرانها الشنيع فيها وتكبدت خسائر فادحة ، وقدم الأردن واهل فلسطين من وسط الخندق الواحد كوكبة من الشهداء عبروا تاريخنا الأردني الفلسطيني المشترك بشرف وسطروا المجد ببسالة قل نظيرها، وشكلوا اوسمة على صدر الأمة العربية . سجل مشهور حديثة الجازي شهادته عن الكرامة ودونها اللواء محمود الناطور في كتابه " معركة الكرامة " ص174 بقوله " .. غير أن حسن استخدام قواتي لأسلحتها وتمركزها الجيد بأستخدام أفضل الأساليب القتالية، وحسن التنسيق بين الأسلحة والتعاون التام مع القواعد الفدائية المتواجدة على المحاور شكل كل ذلك قوة دفاعية متكاملة ضد العدو .." .

وبين عامي 1970 و 1971 اختلطت الأوراق، وحدث الاختراق ، واسيء فهم تقاسم النصر في الكرامة . وحدث الاصطدام ، ولم يرغب مشهور حديثة الجازي أن يخرج من الخندق الواحد، وتم تكليف وصفي التل بضبط أمن الأردن وكانت النتيجة المباشرة بالنسبة له الاغتيال، وقضى شهيدا بطلا ، وأصبح رمزاً وطنياً وشخصية وطنية تاريخية . ولو قبل الجازي دور وصفي لغدا شهيداً مكانه . وخرج الأردن بكامل نسيجه الاجتماعي والسياسي صوب الوحدة الوطنية من جديد، وأصبح أكثر قوة من ذي قبل . وسار الأردن عبر مسيرة استقلاله الطويلة والمنيرة إلى الأمام ووجد نفسه أمام معركة جديدة مع العدو الإسرائيلي خارج حدوده وتحديدا في قلب الجولان وسط معركة سميت بحرب تشرين وأطلق عليها الصهاينة اسم يوم الغفران . ولقد صمم المعركة كل من سوريا ومصر بهدف تحرير الجولان وسيناء ، واشترك في المعركة قوات من الأردن، والعراق ، والسعودية ، والمغرب . وكانت مشاركة الأردن العسكرية واضحة عبر اللواء المدرع "اربعون" لقواتنا المسلحة الأردنية الباسلة - الجيش العربي بقيادة الجنرال خالد هجوج المجالي ، وقدم الأردن كوكبة من الشهداء، وكانت نتيجة المعركة سارة ومفرحة، وأضفت إلى تحرير جزء من مدينة القنيطرة الجولانية مع استمرار حرب الاستنزاف لثمانين يوماً بعد ذلك .