عمان - غازي القصاص

نتوقف عند عقوبات الاتحاد الدولي لكرة القدم التي طالت في الفترة الأخيرة أربعة أندية هي: الجزيرة والفيصلي والرمثا والبقعة بمنعها من تسجيل لاعبين لثلاث فترات.

ونتساءل هنا: هل جلب الاحتراف الخير لكرة القدم الاردنية؟، وهل كانت الأندية تمتلك عند التحول إليه، المُقومات المطلوبة لتطبيقه محلياً؟، وما تأثير انتشار جائحة كورونا في الآونة الأخيرة على هشاشة منظومة الاحتراف عندنا؟.

بدء ذي بدء، نُشير إلى أن ولوج كرة القدم الأردنية إلى بوابة الاحتراف عام 2008 كان للحفاظ على لاعبي الأندية من خطر قادم، تمثل بانقضاض أندية من خارج الوطن عليهم للاستفادة من خدماتهم، لكون قيود وانظمة الاحتراف التي يتعامل بها الاتحاد الدولي لا تشملهم، فهم هواة وفق تصنيفاته، ولا تستحق أنديتهم عند ضمهم لأندية أخرى سوى الحصول على بدل رعايتهم عن الفترة الماضية.

وفي السياق، نذكر حادثتي تمكن النادي المصري قبل اعلان الاحتراف في كرة القدم الأردنية من خطف حارس مرمى شباب الحسين محمد أبو حلاوة، ومُهاجم البقعة وقتها مؤيد أبو كشك، وتعذب الناديان قبل استعادتهما، والاتصالات التي اجراها اتحاد كرة القدم لإنهاء المشكلة، مما جعله يكتشف ان لا ملاذ لأندية الدرجة الممتازة من المحافظة على لاعبيها إلا بتحولها الى الاحتراف، ليُصبح يُطلق عليها من وقتها أندية المُحترفين.

لم تكن تلك رغبة الأندية، فقد وجدت نفسها مرغمة على سلوك هذا الدرب لتوفر الحماية المطلوبة للمحافظة على لاعبيها بالاستناد إلى أنظمة "فيفا" المعمول بها في هذا الجانب.

كانت بداية السير على درب الاحتراف مقدور عليها الى حد كبير، فالرخاء الاقتصادي موجود وقتها، والاتحاد يُقدم دعماً كبيراً للأندية التي اصبحت في تصنيف فيفا محترفة، يصل إلى نحو (200000) دينار، تتسلمه على دفعات شهرية، والزخم الجماهيري في متابعة المباريات والريع المالي القادم منه في حالة تصاعد، والأمور في مجملها غير مقلقة للأندية.

وساعد وجود المهندس نضال الحديد نائب رئيس الاتحاد وقتها في منصب امين عمان، الاندية المحترفة في الحصول على ملاعب ومقرات لها، ضمن منطقة غمدان وفي مناطق أُخرى من العاصمة، فسهل عليها البداية الأولى من مرحلة الاحتراف.

ومع تطبيق الاحتراف الذي وُصف وقتها بالدواء المطلوب لعلاج حالات الانقضاض الخارجي على لاعبي الأندية، اكتشفنا على أرض الواقع ان التغيير الإيجابي بشكل عام على المستوى الفني لفرق أندية كرة القدم لم يحدث، انما ما حدث هو الارتفاع الجنوني والهائل في قيم العقود المنظمة لارتباط اللاعبين مع الاندية، وحصل ذات السيناريو في ابرام العقود مع المدراء الفنيين للفرق والاجهزة الفنية والادارية، حتى بتنا نجد ان تكلفة مدرب الجزيرة التونسي شهاب الليلي بلغت نحو (20) ألف دولار شهرياً.

ووجدنا ان المدربين المحليين الذين كان اغلبهم يتقاضى قبل تطبيق الاحتراف بضع مئات من الدنانير وفي احسن الأحوال ألف دينار، اصبح يُطالب بعدة آلاف شهرياً علاوة على بدل مقدم العقد، وبذلك تعدت رواتبهم رواتب الوزراء في الحكومة، هذا غير الطاقم المرافق لهم في الجهاز المشرف على الفريق الاول لاندية المحترفين، بتسميات: مدرب عام، ومساعده، ومدرب لياقة بدنية، ومدرب حراس مرمى، غير بقية الكادر الاداري الذي يضم مدير النشاط، والطبيب والمعالج الطبيعي، والمنسق الإعلامي، ومسؤول اللوازم!!.

واكتشفنا ان التغيير الايجابي المنتظر على واقع الاندية جراء تطبيق الاحتراف ما زال دون المطلوب، فالفكر الاداري في التعامل مع الاحتراف وتبعاته ومستلزماته بقي على ما هو عليه، حيث ظل الاعتماد بشكل رئيس على دعم الاتحاد، وعلى ريع المباريات، ولم يقم على التفكير في مشاريع استثمارية للنادي، لتُشكل مورداً مالياً ثابتاً له، والعمل على تنفيذها بسرعة للاستفادة من الحالة الاقتصادية وقتها، والتي تسمح باقبال الشركات والمؤسسات الوطنية ورجال الاعمال على دعم مشاريع الاندية.

ومع مرور الايام، واختفاء شمس الرخاء الاقتصادي خلف الافق، بات التأثير السلبي للاحتراف يظهر على مسيرة الاندية، ومع انتشار جائحة كورونا التي نتج عنها توقف الدوري ما يزيد على الشهرين، اخذت الأندية تتحسس رؤوسها من شدة صدمة تعمق مُعاناتها المالية، وطرق المدربون واللاعبون ابواب اتحاد كرة القدم، حتى وصلوا الى ابواب "فيفا" للشكوى على الاندية، مُطالبين بحقوقهم المالية بحسب ادعاءاتهم!!.

ولا يبدو ان ازمة الاندية من الناحية المالية ستنتهي قريباً، فالمؤشرات كلها تُرجح تفاقهما خلال ازمة كورونا، وامتدادها الى ما بعدها عدة سنوات، فإقامة دوري الموسم الحالي مرهون بقرار لجنة الاوبئة، وان اُقيم، سيكون خلال آب القادم من مرحلتين وبدون جمهور، وعلى ان يُختتم مع نهاية العام، ويقيناً الاتحاد ليس خارج المُعاناة المالية لمنظومة اللعبة، فوضعه المالي غير مسبوق، وموارده تضاءلت كثيراً بابتعاد الراعي الرئيس لبطولاته.

وفي ضوء ذلك، ستزداد شكاوي اللاعبين والمدربين على الاندية المرفوعة إلى "فيفا"، وستتعرض الى مزيد من العقوبات، الامر الذي بات يستدعي منها الى التفكير بصوت عالٍ للتخلص من الأزمة الخانقة، والتي باتت تُهدد وجودها ويُعرضها للاغلاق!.

ونرى أن تلجأ الاندية الى نهج واستراتيجية جديدة في التعامل مع لاعبيها ومدربيها في المرحلة القادمة، فاندية الاحتراف في دول العالم لديها موارد مالية من استثماراتها، وتسويقها للعبة، ولديها رصيد مالي في البنوك، يُساعدها على تجاوز تداعيات ازمة كورونا على مسيرتها، بينما لا تمتلك انديتنا مقومات الاستمرار ان طالت مرحلة تداعيات جائحة كورونا عليها.

والاندية بمقدورها الاتفاق على آلية تُخفف من اعبائها في المرحلة الراهنة والحالية، وتُخفف من وقع مطرق الديون المتراكة عليها للبنوك والاشخاص، بتحديد سقف لمبالغ عقود اللاعبين، يتناسب مع امكاناتها ويُوثق في الاتحاد، وان تُفعّل شرط عدم حصول اللاعب على راتب من أي عمل آخر إلا بموافقتها حسب نظام "فيفا"، وان تستغني عن اللاعبين والمدربين الأجانب، وتختصر من الاجهزة الفنية والإدارية، ونذكر ان في سني عقد السبعينات وحتى الثمانينات كان شخص واحد يقوم بتدريب اللاعبين وحراس المرمى، والاهم ان تبادر الاندية الى شد الاحزمة على البطون، وتًرشد الانفاق في المرحلة الصعبة القادمة، كي تستمر مسيرتها.