جولة جديدة قد تكون حاسمة... خسرتها قوات المشير خليفة حفتر التي تقاتل تحت مُسمى "الجيش الوطني"، وليس أدّل على تقهقرِه سوى إعلان الناطق باسمه اللواء المسماري عن تراجع قواته مسافة 2-3 كيلومترات عن الخطوط التي تمرّكزت فيها حول طرابلس, وبخاصة بعد نجاح قوات فايز السرّاج في الاستيلاء على قاعدة الوَطيّة الاستراتيجية, على نحو تم تسجيل هذا التقدم النوعي لصالح تركيا الداعم الابرز لقوات السرّاج. إذ بدأ الاخير إطلاق تحذيرات وإبداء تشدّد ما كان ليتمسّك به لولا الدعم العسكري واللوجستي اللافت الذي قدمته انقرة, وربما بموافقة – أو صرف النظر – دول إقليمية وأخرى دولية، تسعى لإيصال الأمور الى مرحلة يستطيع فيها فريق السرّاج المُضي قُدماً في خياراته (إقرأ انحيازاته) التُركية, الرامية الى تكريس معسكر/ تحالف إقليمي, تكون مسألة النفط والغاز الأوسطِيّة على رأس جدول اعماله, بعد التوقيع على اتفاقية النفط والغاز بين حكومة السراج وحكومة انقرة أواخر العام الماضي, وخصوصاً "الطلب"الطازج الذي تقدّمت به شركة النفط التركية لحكومة السرّاج, لـ"البدء" بالتنقيب عن النفط في المنطقة الاقتصادية الليبية الخالِصة.

التصريحات النارية التي اطلقتها حكومة السرّاج ضد "الإرهابي" حفتر (الذي بات في نظر وزير داخلية السراج باشاغا.."صفر على الشمال") ورفضها التعامل معه سوى بالأسلوب "العسكري", ودعوتها الى مُحاكمته كمجرم حرب, وإدانة "التدخّلات" الخارجية الداعمة له بالسلاح والمُرتزقة، تُؤشر الى رغبة بالتصعيد اكثر مما تشي برغبة في توظيف "الانتصارات" التي حققتها مؤخراً, في غرب ليبيا وتحديداً الاستيلاء على قاعدة الوطِيّة الجوية، لاستدراج مواقف داعمة لـ"حوار سياسي جديد" يحول دون تقسيم البلاد او فدرلتها, او "لبننة" البلاد وتشظيها وبخاصة ان حفتر والدول الداعمة له لم يرفع راية الاستسلام, ويبدو انه يستعد لجولة عسكرية اخرى قد تكون نهائية, لجهة إعداد هجوم مضاد يستعيد بموجبه بعض التوازن في موازين القوى على الارض,وتتيح له "التفاوض" من جديد بعد أن ارتكب خطأ جسيماً عندما أعلن إلغاء اتفاق الصخيرات (المُجمّد أصلاً) وتنصيب نفسه حاكماً لليبيا دون توفّر مقومات ميدانية او دعم سياسي, يسمح له بالمضي قُدماً في "معركته" التي تَصوّر انها قد تُبعده عن هزيمة مُتدحرجة وصلت ذروتها في خسارة قاعدة الوطيّة الجوية، التي منحت بـ"المقابِل" المزيد من "فائض" القوة للسرّاج, المُنتشي بما حقّقه والذي لا يتردّد في الحديث عن دعم لحفتر من مُرتزقة "سودانيون وتشاديون وسوريون (...) وروس", في الوقت الذي يُغفل فيه عن قصد تدفق المرتزقة السوريين (من "ثوار" وارهابيو انقرة.. التركمان والويغور الصينيّون) الى طرابلس, وتوفير تركيا له اسراباً من الطائرات المُسيّرة الضاربة التي اسهمت في حسم معارك غرب ليبيا, وبخاصة قاعدة الوطيّة وبعض البلدات ذات الموقع الاستراتيجي القريبة منها.

في السطر الاخير مواصلة حكومة السرّاج تصعيدها الكلامي يُسهِم ضمن امور اخرى, في مزيد من التدهور وربما وصول الامور الى نقطة اللاعودة. على نحو يسمح لداعمي حفتر بدفعه هو الآخر الى مزيد من التشدّد ورفض العودة الى طاولة المفاوضات, على قاعدة ان لا حل عسكرياً للأوضاع الكارثية في ليبيا.. وهي أمور مَرهونة بمدى وحجم الضغوط التي تُمارسها الدول الداعمة لطرفي المواجهة.

وبغير ذلك فإن الأُمور ذاهبة الى خيارات أسوأ بكثير من مشروعات التقسيم والفدرلة التي تلوح في أفق المواجهة المُحتدمة الآن والمرشحة لمزيد من الاحتدام.

kharroub@jpf.com.jo