قبل أن يقوم تنظيم كورونا بجريمته النكراء، باجتياح العالم، كان المشهد مختلفاً إلى حد ما، وكان الانطباع العام السائد يتجه نحو عام يبعث على التفاؤل على الأقل اقتصادياً، بالرغم من بشاعة ما خلفته الأعوام السابقة التي وضعت العالم في خانة اليك، ولكن اليوم وبعد أن بات العالم على شفير الهاوية، تبعث كورونا في الآفاق السؤال الذي لم يجب عليه أحد من قبل، وماذا بعد؟ السؤال الذي يبقى فى الضمير البشرى ويظهر مع إشراقة الشمس فى كل يوم وضياع الأعمار في غفلات وانشغال بالدنيا، ولا يسأله إلا النذر اليسير من الشرائح المهتمة بهذا الأمر.

ماذا بعد انتهاء عاصفة أو جائحة «كورونا»، تلك التي وضعت العالم كله في مواجهة عدو هاجم الجميع من دون اعتبار لحدود أو قانون، ومن دون تفرقة بين قوى بكل معاني القوة وضعيف بكل عناصر الضعف.

إن علاج الأزمات الكبرى مثل وباء «كورونا» لا يصح أن يتم على حساب الديمقراطية والحريات الأساسية والاقتصاد الحر، وإنه من شأن التمسك بمبادئ الديمقراطية وسياساتها وقوانينها وإدارتها للأمور، أن تنجح الدول والمجتمعات في التعامل بكفاءة مع هذا التحدي الخطير.

وفي الوقت الذي بدأ فيه العالم يستفيق من صدمة وباء كورونا (كوفيد-19) الصحية، بدأ التفكير ينصرف شيئا فشيئا إلى العواقب الاقتصادية والسياسية لهذه الأزمة التي لم يسبق لها مثيل في العصر الحديث، فهذه الأزمة غير مسبوقة لأنها المرة الأولى التي تخاف فيها البشرية كلها من الشيء نفسه وفي الوقت ذاته، وستكون لهذا عواقب دائمة، أكثر كثافة وعالمية من أزمة 2008 أو هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وبالرغم من أنها لن تكون مدمرة بالضرورة، على الأقل بالنسبة للبلدان المتقدمة والمنظمة جيدا، مع أن كل شيء سيعتمد على القرارات المتخذة بعد الوباء.

اما ما يتعلق بالجهات التي أدارت الأزمة بشكل أفضل، فلا يزال من المبكر الحديث عنها، خاصة أنه لا أحد يعرف إلى متى ستستمر الأزمة، ومتى وكيف نخرج من الحجر، وهل سيكون ذلك على مراحل أم سيستغرق وقتا؟، لقد أظهر سكان الدول الآسيوية انضباطا كبيرا، سواء كانوا يعيشون تحت أنظمة استبدادية أم لا، فيما أضحت مسألة النظام السياسي تستحوذ على الأوروبيين لخشيتهم من أن تظهر القوة الصينية تفوقها في إدارة هذه الأزمة، هذا بالإضافة إلى ان الدول الديمقراطية تقبلت إجراءات مذهلة من حيث الحرمان من الحريات، ولم تستحوذ عليها الروح الليبرالية السائدة على الديمقراطيات.

خلاصة الأمر أن عالم ما بعد الوباء سوف يشهد حدة فى إدارة العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، وشروخاً فى العلاقات داخل التحالف الغربي، كما سيشهد اضطراباً فى العلاقات الأميركية - الروسية، بالإضافة إلى محاولات لإصلاح النظام متعدد الأطراف، بما يضمه أيضاً من وكالات متخصصة، ومراجعة أداء تلك الوكالات والآليات، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية.

ولعل العالم أيضاً سيشهد مراجعة عدد من التفصيلات المتعلقة بالعولمة، وبصفة خاصة إدارة أمور الاقتصاد والتجارة العالمية والصناعة، الموزعة عناصر إنتاجها على مراكز عديدة حول العالم، وخصوصاً في الصين، ومواجهة الغرب لحقيقة أن الصين أصبحت المصنع الكبير على مستوى العالم، والعمل على وضع حد لذلك. هنا يمكن توقع تغييرات كبيرة، أقلها إعادة توزيع المصانع المنتجة للسلع الاستراتيجية بعيداً عن الصين، وعلى خريطة أوسع، وطبقاً لاحتياجات اقتصادية وجيواستراتيجية أكثر شمولاً.

بيد أن التغيير الأهم بسبب «كورونا» سوف يتعلق بمعدلات الثقة بالاستثمار في مجال الصحة العامة، والمصل والدواء، والمستشفى والطبيب، والطواقم الطبية، بالإضافة إلى التأكيد على الشفافية وضمان إعمالها.

هذا على مستوى العالم، فماذا عن الأردن؟، انا شخصياً أرى أن الضرورة هي التي دفعت الأردن إلى الاستجابة لمكافحة الجائحة، فكان تصاعد عدد الإصابات الذي شهدته عدة بلدان ليؤدي إلى الدمار، سواء على صعيد الحياة البشرية أو النتائج المترتّبة على الاقتصاد، لكن أحدث انتشار فيروس كورونا أثرا لدرجة أن التدابير الشاملة في الأردن وضَعته في مأزقٍ هو: استمرار الحماية الداخلية والخارجية للشعب فيما تصيغ الأعداد الكبيرة من السكان اللاجئين والتحديات الاقتصادية في البلد استجابة الأردن المستمرة. فسيواجه الأردن على الأرجح، كبلدٍ شبه ريعي ومتعطّش إلى الموارد، تحدّياتٍ عميقة في المستقبل، حتّى لو بقيت نسبة الإصابات منخفضة.

الأردن مجتمع ملتزم بالقوانين، ويطيع حوالي 95 في المئة من الشعب القانون، لذا عندما وجه نداء حظر التجول، تبع الشعب التوجيهات وساعد ذلك في السيطرة على انتشار الفيروس بشكل هائل، ويمكن تبرير استجابة الأردن المبكرة وتنفيذه للقوانين وسياسات الاحتواء الصارمة نظرا إلى التحديات المتعددة التي تواجه البلد حتى قبل الوباء.

لكن لا بد من فهم التدابير الحالية كمجرد مسكن قصير المد، فسيكون البلد قريبا بحاجة إلى إعادة التفكير في وضعه على المدى الطويل عقب الوباء وبالنسبة إلى بلد يعاني من ضغوطات اجتماعية واقتصادية وبيئية مشابهة، قد يشكّل فيروس كورونا جرس إنذار يدعو إلى اليقظة، فيحث على الانتقال من السياسة القائمة لضبط الأزمة إلى سياسة متينة لإدارة الأزمة وتهدئتها، ولا يمكن تطبيق هذه التغييرات سوى عبر الإرادة السياسية ـ وفي الحالتين، لا يمكن تفادي أهمية المخاطر.