في فلسطين؛ إحدى ضفّتي النهر الخالد, كما في أختها من شرق؛ جبال كثيرة. أمّ الجبال وموطنها بَشَرا وصخرا. منها ما هو شاهق يخترق السحاب بمراحل، ومنها ما هو في طريقه ليصبح شهوقًا بعد رمية حجر أو اثنتين. صخورها من صوّان، تستعمل حجارتها لبناء الرّجال... البيوت والقلاع وأسوار المدن. في أسوار المدن يكون لون حجارتها الصوّانية بيضاء ورديّة عندما تستقبل أبناءها العائدين من رحلات بحرية في أعالي البحار أو البوادي والقفار، أو تستقبل أخوة قادمين من أرض شقيقة ترتوي معها من نفس مياه النهر المقدّس. تنفتح بواباتها تلقائيًا عندما تستشعر وميض الشوق في أعينهم السوداء والعسلية من بعيد، لكن أحجارها تتحول إلى سوداء كَشِرة مدبّبة كالرماح و في صلابة دروع الحديد؛ عندما تلوح في الأفق أعلام قراصنة من غاصبي الأرض والبيوت والشَطآن، قاتلي الأطفال وكلّ ما يتحرّك حتى العصافير والزرازير والحمائم... لا يهمهم لونها لكن يفضلون: (بيض الحمائم... حسبهنّ)! وحسبنا الله.

نعود للجبال في فلسطين وعلى ضفّتي النّهر. بعضها فيه صخر مخصصّ لتتوالد منه وفيه.. حجارة من سجّيل، بأحجام مختلفة حسب حجم قبضة يد ملتقطة طفلا/طفلة صبيا/صبيّة, شابّا أو فتاة أو حتى عجوزا من عمر القدس ونابلس. الحجر مهما كان خشنا؛ تعشقه القبضات الصغيرة، يصبح حنونا مطواعا لها حين تطلقه قذيفة ليتحوّل صاروخا موجّها بحجم الكرمل وعيبال والطور. يتكوّر الحجر في يد بطله ليلائم البنصر والخنصر والسّبابة... سبّابة الشهادة وتصليبة الشهداء وحجم الهدف الذي سيصدمه يخترقه بعدما تقذفه اليد من ساعد بقوّة ساعد منجانيق بكل ما في جسده من قوة دفع وكراهية لجنود عدوّ من سفن قراصنة نزلوا شطآن الديار في غفلة عن الزّمان... زمان أغبر في أيام غبراء في سنين غبراء؛ عاثوا في الديار خرابًا دمارًا، وفِي الأهل تقتيلًا تهجيرًا فاستشهد الكثير وهاجر الكثير تحت وطأة التهديد والوعيد. هاجروا حتّى... حين... هكذا كان. وقعت الهجرة؛ لكن لم يحن الحين! كلّهم يتطلّعون عبر الخيام نحو الأفق في انتظار ذلك... (الحين) الذي لم يبر بوعده. مظلوم هذا الحين أمره ليس بيده. فأعداء الحين...(حين)العودة والحريّة وكل حين؛ يقفون لها بالمرصاد. وبعون الله سنكون يدًا واحدة لهم... بالمرصاد.

في قبضات هؤلاء الأطفال الأبطال الذين ولدوا من رحم أمّهات من صلب الجبل والشجر وأخوات لهم؛ أمّهات عانوا من احتلال بغيض لم يبق أخا /أختا ولا أبًا ولا جارًا إلا صنّف بين شهيد وأسير ومهاجر؛ يكمن استحقاق (الحين)... حين العودة للديار وحين الحريّة، وحين الوقوف في وجه هذا المتنمّر على الخلق والعباد...طالما يُقذف الحجر من يد من صوّان؛ ليسير بقوّة من الذات, قوة دفع ذاتي تملك البصر والبصيرة والقدرة العجيبة من أرادة الأله .. لمعرفة الوجهة المقصودة لهؤلاء الأبطال نحو أعداء الوطن، لا كما صواريخ من اعتدى أو سيعتدي؛ بل وأكثر بأسا. تصيب حجارتنا من جبال النهر...ذاتيّة الدّفع أهدافها، لا تخيب ولن تخيب. في عزمنا، وقبضات هؤلاء الصبية والشّباب والأطفال: يمكث استحقاق ذلك (الحين).. حين العودة إلى الحرية... حريّة البلاد والعباد و(حين) الزود عن كلتي ضفّتي النهر.