أبواب - تالا أيوب

"من قلب الحدث: تركت ابني نائما، وأجبت عن أسئلة امتحانه باستخدام يدي اليسرى؛ كي لا تعرف المعلمة ذلك، لماذا يتعبوننا المعلمون؟ أطالب بوضع امتحانات الطلبة بنظام الخيارات المتعددة" .. بهذه الكلمات تباهت أم طالب مدرسي بما فعلته عبر مشاركتها منشور على صفحتها على أحد مواقع التواصل الإجتماعي "الفيسبوك" تزامنا مع فترة تقديم الامتحانات المدرسية النهائية التي تقدّم عن بعد لما فرضته تداعيات أزمة كورونا عليهم.

لاقى المنشور ردود فعل مختلفة اذ هناك من يؤيدها من الأمهات، ويوافقنها بأنهن يفعلن مثلها، أو يتأكدن من إجابات أبنائهن قبل إرسالها للمعلمات، بينما هناك من يرفضن هذا التصرّف لما له أثر سلبي على منظومة أبنائهن الأخلاقية.

تقول تهاني مصطفى -وهي والدة ثلاثة أبناء- ل"أبواب-الرأي": لا أقبل أن أجيب عن أبنائي أسئلة امتحاناتهم؛ لأنني أضرّهم قبل أي شخص آخر، وذلك لن يصب بمصلحتهم بتاتا، فإنني لا أهتم بحصولهم على علامات تامة قدر اهتمامي بحصولهم على المعلومات الكافية وبشكل صحيح".

تبيّن سحر عبادي -وهي معلمة في مدرسة خاصة-: "التعليم عن بعد أظهر لنا مقدار ما نملكه من صبر لتوصيل المعلومة للطلبة، وكيف أن التعليم أمانه يجب علينا حفظها، لذلك لم ولن نتهاون بها أبدا، ولكن المسؤولية والأمانة في تأدية هذه الرسالة تقع على عاتق الطرفين المعلم والطالب مع أسرته فالمصداقية أساس نجاحها".

وتكمل: "على الطالب أن يؤدي دوره بشكل صحيح، صادق؛ ليعرف مستواه وما لديه من مواطن قوة أو ضعف التي هي أساس للمرحلة الدراسية القادمة".

وتلفت الى أن المعلمين يعرفون امكانيات طلبتهم الأكاديمية، وقدراتهم، ومستوياتهم، واستعداداتهم جيدا، ولو تمّت المقارنة بين علاماتهم في الفصل الحالي عن السابق فإنهم سيتمكنون من معرفة أن الطالب لم يحل أسئلة امتحانه بنفسه بل هناك من ساعده.

ثقافة العلامة!

تبين المستشارة التربوية الدكتورة أمينة حطاب الهدف من تقييم التعليم عن بعد أو داخل الغرفة الصفية بقولها: " انه قياس مدى تحقق الأهداف المرجوة، ومدى فاعلية الاستراتيجيات، والوسائل المستخدمة، والخروج بتوصيات للتطوير والتحسين".

وتتابع: "ولكن للأسف قليل منا من يدرك ذلك فنرى أن الطالب وولي أمره يسعون نحو العلامة بغض النظر عن مدى الإستفادة التي حصل عليها الطالب، وكأن العلامة هي المقياس التربوي، والاجتماعي، والنفسي للنجاح في الحياة، ولهذا يقوم الأهل بمساعدة الأبناء في الاختبارات لتحصيل أعلى العلامات فيشعرون بالرضا عن أنفسهم وعن أبنائهم".

وتكمل: "ويعد التقييم بالورقة والقلم سواء عن بعد، أو داخل الغرفة إحدى وسائل التقويم المدرسي، ولا بد للإشارة هنا الى التقويم الواقعي بكافة أدواته واستراتيجياته التي لم تستغل، أو تستخدم عن بعد فماذا لو سئل الطلبة عن البحث عن حلول لمشكلات ما، أو طلب منهم اجراء بحث والخروج بتوصيات، أو تحويل المادة الدراسية إلى دراما تعليمية، أو ابتكار ألعاب تعليمية تساعد فهم المادة والاستمتاع بها وغيرها الكثير (...)".

ترى حطاب: "ان تجربة التعليم عن بعد لم تنضج بعد، وتحتاج الى مزيد من التطوير والتحسين، ولكنها كانت حلا للأزمة التي تعرضنا لها، كما أنه لابد من إعادة النظر في أسس القبول بالجامعات فلا نكتفي بعلامة الثانوية العامة كمعيار لها، هذه العلامة التي أصبح المجتمع كله يلهث وراءها للحصول على مقعد جامعي بتخصص مرموق، بل وتعدّى الأمر ذلك فقد زاد احترام المجتمع لأصحاب المعدلات المرتفعة، وكأنهم يملكون أدوات العلم، والمعرفة، ونسينا أن العلامة جزء من التقييم وليس كله".

وتشير الى إن أهداف التربية والتعليم تتوزع ما بين المعرفية بمستوياتها الدنيا والعليا والمهارية (نفس حركية) ووجدانية تتمثل في القيم والمعتقدات.

وتلفت الى أنه عندما نساعد الطالب على الغش نكون قد زرعنا في عقله وقلبه أن الغاية تبرر الوسيلة، وعندها سيستخدم هذا الأسلوب في كل شؤونه الحياتية، ونكون قد فشلنا في الهدف الأسمى من التربية، وهو اعداد النشء الصالح المتمسك بالقيم والأخلاق الحميدة والمنتمي لأمته، ووطنه، والقادر على النهوض بمجتمعه والتكيف معه.

وتشدّد على ضرورة تغيير ثقافة العلامة التي تلازم الطلبة من الروضة وحتى الدراسات العليا، والتركيز على التعلّم الذي يكون من أجل الحياة ويبقى مدى الحياة.

وتنصح أهالي الطلاب بقولها: "قديما قيل علّم ابنك كيف يصطاد السمكة، بدلا من أن تطعمه إياها؛ لأنك اذا أطعمته السمكة فستكفيه قوت يومية، واذا علمته اصطيادها فستكفيه حياته كلها، فيا أيها الآباء رفقا بأبنائكم ودعوهم يتعلمون ما يبقى معهم طيلة حياتهم، َولا تكونوا مثل ذلك الذي أراد حماية أبنائه من الذباب، فرماهم بصخرة أجهزت عليهم".

آثار سلبية

تشير الأستاذة المساعدة في علم النفس الإكلينيكي فداء أبو الخير الى أن التعليم يرتبط دائما بالتربية.

لتقديم الآباء أو الأمهات امتحانات أبنائهم بدلا عنهم آثار سلبية تؤثر على تربيتهم، تذكرها أبو الخير: "عدم منح الأبناء خبرة معينة تؤهلهم لتحمل المسؤولية، اذ أنها تتم من خلال تعرّض الأفراد لمواقف معينة بتوجيه ونمذجه من قبل الأهل، وبالتالي ستعلّمهم عدم تحمّل المسؤولية، والغش، والخداع، والكذب، والاتكالية، والاعتمادية على الآخر، فتؤدي الى توّلد حالة من اللامبالاة، وخلق شخصية ضعيفة، وغير قادرة على تحديد المسؤوليات، وتنظيم الوقت، والجهد، وتوجيه النفس وتهذيبها باتجاه تحقيق أهداف معينة".

وتتابع: "كما تعلّمهم الاستهزاء بالآخر، وعدم احترامه، والاستهتار بالقيم المهمّة في الحياة، اذ في كل مرحلة يتم تعليم مجموعة من المبادئ والقيم، وبهذا السلوك ستختل قيمة العلم وطلبه، وصورة المعلم والمدرسة في نظر الطفل".

وتشير الى أنه اذا سُئل الطالب عن اللعب بدلا عنه، فإنه لن يقبل؛ لأنه يريد أن يستلذ بطعم الانتصار بمجهودة، وبالتالي من الضروري تركه يستلذ بطعم النجاح والتفوق بمجهوده أيضا.

تضامن أسري!

بينما ينظر خبير علم الاجتماع الدكتور مجدي الدين خمش من زاوية أخرى، فيرى تضامن وتماسك أفراد الأسرة سويا بهذا التصرف اذ أن أزمة كورونا قد عمّقت هذا المفهوم من خلال قضاء أفراد الأسرة جميعها أوقاتا سويا، وقلّلت من العنف الأسري.

ويشير الى النيّة الطيبة في مساعدة الأبناء بحلّ الاسئلة، اذ بها نوع من التسلية والنشاط في ظل حالة الملل التي تعيشها أفراد الأسرة، وأنها فترة مؤقتة اذ عندما يعودون الى أشغالهم وجامعاتهم ومدارسهم ستعود الحياة الى ما كانت عليه سابقا.

ويخلص الى أن الإرشاد والنصح لا يؤثران دائما في الأسر، وبالتالي تحتاج العملية التقييمية الى قيد مادي، ألا وهو ضبط الكتروني، في حال استمرار التعليم عن بعد خلال الفصل الدراسي القادم، وأن ينصّ عليه بتعليمات وزارة التربية والتعليم، ووضع شروط تمكّن من التأكد من أن الطالب يحلّ أسئلة امتحانه بمفرده، كتفعيل كاميرا جهاز الحاسوب المحمول، وتفعيل الحسّاس أيضا للتمكن من سماع من يلقن الممتحن اذا وجد، أي تفعيل المراقبة صوتا وصورة، وبالتالي نستطيع ضبط العملية التقييمية عن بعد.