د. أحمد جمال المرازيق

يتناول هذا المقال اللّطش (السرقة) من كتابات د.عبد القادر الرباعي. وليس وجهته زيادة الحرص من السرقات الأدبية، أو بيان المخاطر التي يواجهها البحث العلمي بسبب عدم التوثيق بالطرق العلمية، وبحسب المناهج المتبعة في مؤسساتنا الأكاديمية وأوعية النشر العلمي المختلفة. إنها ظاهرة ساقطة في البحث والدراسات العلمية، ولدى عدد ليس قليلاً بين الدارسين في مختلف الأقطار والتخصصات. كما أن آثار تلك الظاهرة عظيمة، وحجم تأثيرها كبير وبادٍ لجميع مثقفي الوطن العربي، وهو لا يحتاج إلى إعادة قول، وزيادة شرح وتأكيد.

لكنْ رغبتُ بأن أتحدث عن كيفية استقبال الدارسين، وطريقة تعبيرهم عن لطْش أحد الأساتذة المصريين من كتابات أستاذي/ الإنسان الذي ما زلت أشعر أنني تلميذ بين يديه، والذي خدم الصورة والنص في الشعر والنقد العربيين، وكتبه ومساهماته في ذلك أكبر من أن يستوعبها مقال.

لعلّي أبدأ بالحالة التي استقبل فيها أستاذي هذه الحادثة، وقد أذهلني -بشكل كبير - نبله، وأدهشني خلقه. إنه صبر العالم الجليل الذي يتعلّم منه كثير من الأستاذة طول البال، وحسن التواضع، وهما ما أبيا عليه، حتى، أن يُسقط عن صاحب هذا الفعل حرف الدال "دكتور"، بل أصرّ على الإشارة إليه برتبته الأكاديمية "أستاذ الأدب العربي".

اكتفى أستاذي بتسمية هذا التجرؤ "سرقة أدبية" في مقال نشره في صحيفة "الرأي" الأردنية عام 2010. في حين رأته الكاتبة زليخة أبو ريشة صورةً قبحيةً لسطو "لا يدل عليها المصطلح المهذب (السرقة الأدبية)"، ضمن مقالتها "في القرصنة المعرفية" في صحيفة "الحياة" (15/12/2015).

وبرزانةٍ وفائقِ اتّزان عبّر أستاذي عن غضبه بألفاظ أقرب ما يكون ظاهرها إلى الاستغراب والإنكار، لكن عمقها يختزل إشارات نسقية وشيفرات ناقدة، مثل: يستغرب، الإنكار، المأخوذ. إذ قال: ما يُستغرب له ويُنكر بأشد ما يمكن الإنكار أن يمارس عدد من هؤلاء الأكاديمیین سلوكاً هم مسؤولون عن تقويمه .. أقول هذا وأمامي حالة لأكاديمي يحمل درجة الأستاذية منذ زمن لیس بالقصیر، كان قد أخذ من غیره صفحات بالكلمة والحرف، بل بالهوامش أيضاً. ذلك هو د.مصطفى عبد الشافي الشورى، أستاذ الأدب العربي في جامعة عین شمس/ القاهرة، في كتابه "العصر الجاهلي: تفسیر أسطوري"، الصادر عن مكتبة لبنان ناشرون-الشركة المصرية العالمية للنشر-لونجمان (القاهرة/ بيروت، 1996). والمأخوذ فيه بحث عنوانه: "دراسة المعنى بالصورة في الشعر الجاهلي.. تفسیر أسطوري"، من كتاب أستاذي: "الصورة الفنية في النقد الشعري: دراسة في النظرية والتطبيق" (دار العلوم – الرياض، 1984).

ولإقناع القارئ، وإثبات الأمر بدقة متناهية، تتبَّع الرباعي مواضع اللطش الكثيرة التي أقدم عليها الشورى، وأثبتها، مع ذكر أرقام الصفحات والأسطر في كتاباته وكتابات الشورى، وأذكر من ذلك نماذج وردت في مقالته:

• النموذج الأول

- الرباعي (ص123، س4 من أسفل): "وهذا يؤكد أن الإنسان العربي القديم كان قد واجه الكون من منطلقات تجريبية وروحية تشبه تلك المنطلقات التي واجه الكون بها كل إنسان قديم. وعند هذا الحد ننعطف إلى الإنسان الجاهلي في تفكيره الوثني، لأن مثل هذا التفكير يثبت أنه كان يصر على الاحتفاظ بهذه الطبائع؛ فقد جاء في القرآن الكريم: "بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون" (الزخرف، آية 22).

- الشورى (ص67، س3؛ وص83، س2): "كان الجاهلي يحتفظ بمقدار كبير من الطبائع العقلية لأجداده القدماء، وكان يصر على الاحتفاظ بهذه الطبائع، فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: "بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون". وهكذا ندرك أنه كان يتصرف لحل قضاياه الوجودية بدوافعه الروحية أكثر من وعيه العقلي.

• النموذج الثاني:

- الرباعي (ص124، س3): "إن الكتب.. لتؤكد كلها على أنهم عبدوا الحيوان والطير والشجر والحجر بعد أن اعتقدوا بوجود أرواح خيرة أو شريرة فيها، وبعد أن أحسوا بضرورة أن يتقربوا منها وأن يتقوا الشر الذي يخشونه عندها.. وتؤكد تلك الكتب أنهم انبهروا بكواكب السماء فعبدوا الشمس والقمر والزهرة (عثتر) وأوجدوا لها أمثلة وبيوتاً في الأرض".

- الشورى: ص67 س6: "ولقد عبدوا الحيوان والطير والشجر والحجر بعد أن اعتقدوا بوجود أرواح خيرة أو شريرة فيها، وبعد أن أحسوا بضرورة أن يتقربوا منها وأن يتقوا الشر الذي يخشونه عندها، وعبدوا كذلك الشمس والقمر والزهرة وأوجدوا لها أمثلة وبيوتاً في الأرض".

وخلال تتبّعي لهذا الموضوع وجدته في كتابين، أولهما كتاب د.وهب رومية "شعرنا القديم والنقد الجديد" الصادر في سلسلة عالم المعرفة عام 1996، وقد وعى فيه سَقَط وقِلّة فائدة كتاب الشورى، ومع أنه أطلق عليه "الأستاذ الفاضل"، إلا أنه بأسلوب الناقد الحصيف، مهّد بعبارات جريئة إلى سوءات الشورى، إذ يقول (ص101-104):

- لقد أراد أن يحمل حملاً ثقيلاً على مطية هزيل..

- يتتبع مساقط الغيث ومنابت الكلأ في دراسات الدارسين، لا يجاوزهم ولا يقصّر دونهم..

- وقر في نفسي أن الكتاب إنما كتب للطلبة الشداة لا الباحثين..

- هذا الكلام لا ينقصه إلا الصواب..

- يمضي الأستاذ الفاضل يحطب على غير هدى..

ثم دلَّ بطرح صريح على نقله الواضح من كتابات الرباعي، حيث قال (ص104): "ويكرر الدكتور الشورى كلام الدكتور الرباعي دون عزو، وما أكثر ما يفعل ذلك على نحو ما نرى في ص97، وص98، وص101).

ورغم جرأة الدكتور رومية في مناقشاته، ورفضه لكثير من آراء الدارسين الذين أتى عليهم بكتابه، إلا أنه اكتفى بهذه الإشارة عن لطْش الشورى، وقد سماه تكرارا لما ورد في كتابات الرباعي، وكان من المتوقع أن يوبخه بكلام أكثر إثارة، وأعمق أثراً، وأقلها أن يسميه سارقاً.

ثم وجدتُ أن د.عبدالله عودة العطوي تناول هذا الموضوع في كتابه "تلقي المعلقات" الصادر عام 2013 عن عالم الكتب الحديث (ص 472).

لقد أثارني، حق الإثارة، أنه حكَم بقدرة الشورى وتميزه في تناول الشعر الجاهلي وفق المنهج الأسطوري، إذ قال: "نرى أن قراءة الشورى استطاعت أن تطبق المنهج الأسطوري على الشعر الجاهلي، فأفادت من الفكر التنظيري كثيراً، كما أفادت بلا شك من القراءات السابقة وتطبيقاتها، وقد أشرت في ما سبق إلى بعض النماذج التي التقت فيها قراءة الشورى مع القراءات السابقة".

وأيضاً: "قراءة الشورى بما أفادته من القراءات السابقة تعد متميزة في تطبيق المنهج الأسطوري على الشعر الجاهلي، والمنهج الأسطوري من المناهج المنفتحة على المناهج الأخرى، فلا توجد حدود صارمة تمنع القارئ من إسقاط البحث الأسطوري من زاوية يراها أقدر على الكشف عن خبايا النص، وفي ذلك رد على تقييد رومية لقراءة الشورى ضمن نطاق ضيق لا يسمح بإجالة النظر هنا وهناك".

ومع أنّ لطْش الشورى كان "عينك.. عينك" وثابتاً يقيناً"، إلا أنّ د.عبدالله يلتفت له على أنه، تهمة ومأخذ على الشورى لا أكثر، حيث قال: "والشيء الذي يمكن قياسه والوقوف عليه بموضوعية هو تهمة الشورى بعدم توثيق بعض نقولاته عن القراءات السابقة"، وأيضاً: "أما كونه لم يوثق نقولاته، فذلك مأخذ لا يمكن دفعه عنه".

هذا اللطش، كما يرى الفرزدق، سهل وبسيط، لا قطْع فيه؛ لذلك يستسهله الكثيرون، وهذا أمر يعود إلى خُلق الباحث، ومدى تقديره لإنتاج الباحثين الآخرين، وهو ضابط لقلة الأخلاق، والإفلاس العلمي.

وما يذهل له المرء هو تهاون الأكاديميين، وأصحاب المؤلفات العلمية الرصينة حال وقوعهم على مثل هذه الظاهرة. إذ يتم التعامل مع هذا الاجتراء بتهاون كبير، أقله أن بعضهم يوثق من السارق ويذكر حديثه على أنه مؤلَّف ومرجع يستحق القراءة والذكر، مع أنهم يشيرون إلى أخذه ونقله، وفي رأيي أن ذلك غير كاف. إذ بإمكانهم أن يشيروا فقط إلى لطشه وسرقاته، ويعزفوا عن تحليل دراساته والرجوع لمؤلفاته. أما المؤسسات والجهات الأكاديمية؛ فإن دورها كبير تجاه ذلك، ويمكنها أن تضع قوانين أشد صرامة، وعزاؤنا في هذا الزمان أن هناك أنظمة إلكترونية تستطيع اكتشاف ذلك بسهولة وسرعة، والأمر معها لا يحتاج إلى جهد وكبير عناء، فضلاً عن قلة التكلفة، وجودة النتائج.

وما دام أمر اللطْش على هذا الحال، وما دام اللاطشون يُتركون بلا عقاب، ولا تعزير، فإنّ السؤال الذي يبقى قائماً: ظاهرة اللّطش العلمي إلى أين؟!

(أكاديمي وباحث أردني)