الدكتور عامر العورتاني

أخصائي علم الاجتماع

Dr.amer.awartani@gmail.com

لطالما كان لرمضان وما زال سحرٌ عبر الزمان والمكان ، ذلك أنّ لشهر الصيام ما يميزه ، ويجعل مكانته خاصة في النفوس ، واللافت أنّ الكثير من طقوسه التي ترافق الصائمين تمكنت من الانتقال عبر فترات تاريخية قديمة ، ولا زال الناس يحرصون على حضورها في أيام الشهر الفضيل بحُبٍّ ، وإصرار على استحضار الماضي في صورة طيف مليء بالقيم والعادات ، التي امتزجت على اختلاف أصولها لتنتشر كالأريج ، جامعة الصائمين في كل مكان على ثقافة واحدة ، في صورة تعبيرية عن الإدراك الجمعيّ للمغزى الروحي المستتر في الروح الثقافية الممتدة عبر التراث الشعبيّ الطويل ، والذي يشكل مزيجاً ثقافياً لا يجتمع لشهر آخر في العام سوى رمضان ، على الرغم من سطوة الحداثة ، وسيادة ثقافة أقرب إلى العالمية في عصر الإتصال والتواصل .

فبالعودة إلى صفحات كتب التاريخ، يرى القارئ أن الشهر الكريم حظي بمظاهر احتفالية خاصة، تُعلي من شأن تلك الرحلة الروحية التي تنجح عاما بعد عام في إيجاد حالة جماعية؛ تضبط سلوكيات الصائمين وأحوال يومهم على توقيت واحد، وتقاربٍ يكاد يطال حتى خيارات الطعام والشراب، ناهيك عمّا يبثه الشهر الكريم في نفوس الصائمين من إحساس بالآخر ، والإقبال على التضامن معه بصور عديدة من الإحسان.

لقد كانت البهجة تدفع الصغار قبل الكبار ، إلى الاجتماع في الأزقة والحارات في مختلف مدن العالم الإسلامي في انتظار إعلان القاضي الشرعي ثبوت رؤية الهلال ، لتنطلق " مواكب الرؤية " مكونة من التجار والحرفيين ، وحملة المشاعل والأعلام الملونة وضاربي الطبول استقبالاً للضيف القادم ، ويبدو أنّ الفاطميين في مصر هم أكثر من منحوا الشهر الفضيل طابعا خاصّا ، فتجد أنّ أغلب مظاهر الاحتفال تعود إلى فترة حكمهم ، مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الروايات وتضاربها ، فقد أضيئت المصابيح في الحرمين الشريفين خلال عهد الخلفاء الراشدين احتفالا بنُسك الصيام والاجتماع للتراويح ، إلاّ أنّ بعض الروايات تجعل من المشاعل والفوانيس التي حملها أهل القاهرة خلال مسيرهم ليلاً في رمضان ؛ لاستقبال المعز لدين الله الفاطمي قادماً من الغرب ، بداية لارتباط الفانوس بشهر رمضان ، وعلى الرغم من تعدد الروايات في أصل ذلك ، إلاّ أنها تتفق على أنّ الفانوس صار جزءا أصيلاً من تقاليد شهر رمضان ، لتضاف الزينة إلى الحبال التي عُلِّقت بها الفوانيس ، ولتتطور أشكالها ومسمياتها عبر الزمن ، ولا زال المسلمون يتمسكون بهذا التقليد إلى الآن تمييزاً لمكانة الشهر وعبادته في قلوبهم .

وعلى الرغم من وجود المنبهّات وامتداد ساعات السهر ، إلاّ أن المُسحِّر لا يزال شخصية مرغوبةً ومُرحبّاً بحضوره الذي يخترق الليل بصوت طبله العميق حاثّاً الناس على القيام لتناول وجبة السحور ، حيث كان " ابن نقطة " أشهر من قام بهذه المهمة في العصر العباسي ، وقد سبقه إليها بلال ابن رباح وابن أم كلثوم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم ، ليقوم " عتبة ابن إسحاق " والي مصر 228 ه بمهمة السير على قدميه من مدينة العسكر في الفسطاط ، إلى جامع عمرو بن العاص منادياً في الناس بالسحور ، لتضاف الطبول ، والدفوف ، أو الفناجين النحاسيّة إلى أدوات المُسَحِّر ، ترافقها أناشيد وأشعارٌ خاصة .

أما مدفع رمضان فيمثل ظاهرة تراوحت بين الحضور والغياب ، مع امتداد مساحة العمران ، وانتشار مكبّرات الصوت ، لكنها بقيت تمثل رمزاً يدل على قدرة الشهر الفضيل على استيعاب معطيات الزمن ، والانسجام معها بشكل يبعث على بثِّ البهجة في نفوس الصائمين ، حيث تعيد الروايات التاريخية بداية استخدام المدفع إيذاناً بغروب الشمس وموعد الإفطار إلى الصدفة التي اقترنت بوالي مصر " خوشقدم " خلال تجريب مدفعه الجديد أول أيام رمضان وقت الغروب ، الأمر الذي استحسنه العلماء والأهالي ، لتصير قذيفة الغروب تقليداً ، وبالرغم من نسبة المصادفة ذاتها إلى " محمد علي باشا " ، إلاّ أنّ التقليد بات راسخاً في عهد الوالي " عبّاس حلمي الأول " ، لترافق خروجه من مخزن القلعة محمولاً على عربة ذات عجلات ضخمة احتفالية جماهيرية ، استعداداً لاستقبال الشهر الكريم في عهد الخديوي إسماعيل ، وما لبثت العادة الرمضانية أن انتقلت إلى بقية الدول العربية ، حيث كان المدفع يبدأ عمله بمكة المكرمة بإطلاق أول سبع قذائف صوتية إيذاناً ببدء الشهر الفضيل .

وبما أنّ الإفطار فرحة للصائم إذ يتلقى جائزته بعد يوم من الإحساس بالجوع والعطش ، فإنّ الطعام ولا شك يحظى باهتمام بالغ ، وبالرغم من اختلاف أصناف أطباق موائد رمضان بحسب السائد من عادات ، وتقاليد ، وأحوال اقتصادية ، واجتماعية ، وثقافية ، إلاّ أن صنفاً منها نجح في خطف قلوب الصائمين ، بل وتوجيه مشاعرهم ، حيث تقف بقيّة أصناف الحلويات معترفة بريادته ، وسيادته ... إنه القطائف ، ذلك الصنف الذي يقترن بهلال شهر رمضان ، وكأن طعمه في رمضان ليس كما في غيره من الشهور ، وأصل هذا الصنف مختَلفٌ في تحديد زمانه ، إلاّ أنه يمكن القول أنّ القطايف قد عُرفت أواخر العصر الأموي وبدايات العصر العباسي ، لكنّ صيتها ذاع ، ونفوذها اتسع في العصرين المملوكي والفاطمي ، حتى أنّ الإمام جلال الدين السيوطي أفرد رسالة في القطايف وأختها الكُنافة أسماها " منهل اللطائف في الكنافة والقطايف " ، ويبدو أن اسمها يعود إلى ملمسها المتشابهه للقطيفة أو المخمل ، أو لطريقة تناول الآكلين لها فهم يقطفونها من الطبق قطفاً ، حتى نُظمت في سحر مذاقها الأشعار حيث قيل :

لله درُّ قطائفٍ محشوّةٍ من فستقٍ دعت النواظرَ واليدا

شبهتُها لمّا بدت في صحنها بحِقاق عاجٍ قد حُشينَ زبرجدا

ويبقى التاريخ مليئاً بحكايات رمضان ، ويمتد شجون الحديث إلى وقتنا الحاضر ، حيث للشهر الفضيل في 2020 طابع خاص لن تُمحى رواياته من سجلات التاريخ ، فهو حاضر في ظل اجتياحٍ كاسحٍ لوباء الكورونا ، الذي بعثر الأوراق ، ووضع مفاصل الحياة الإنسانية على محكّات غير مسبوقة ، حاجباً عن رمضان بعضاً من مظاهره الأساسية التي اعتادها الصائمون في كلّ مكان ، أو حصر تلك المظاهر في حدّها الأدنى ، بسبب إجراءات مواجهة الوباء ، ما ساهم في تغييب أبرز طقوس الشهر الفضيل كولائم الإفطار ، وصلاة التراويح في المساجد ، لكنّ جوهر الشهر بقي حيّاً في القلوب التي جعلت من البيوت مجتمعاً صغيراً يحتفل بتلك العلاقة الروحيّة الفريدة ، ليمتدّ الإحسان إلى أقصى حدوده رغم التباعد وظروف الوقاية ، ويبقى رمضان مدرسة حقيقية داخل النفس ، ليتخرج منها الصائم وقد عدّل أو عزّز سلوكه بما يعينه على القيام بمهمته التي شرفه الله عزو جلّ بها في هذه الحياة .