شخصيات و اسماء عديدة من واقع أحياء و حارات عمان القديمة تعود للذاكرة مع ليلة ثبوت رؤية هلال العيد في كل عام، ابو فياض أجير الفرن الذي لا يكل من إلحاح الزبائن المنتظرين لاستلام صواني الحلوى الخاصة بهم، و الاستماع لتكبيرات العيد أثناء انتظار الدور عند ابو عصام الحلاق صاحب الأحاديث الشيقة التي لا تمل، و ابو أحمد الذي يطلق مدافع العيد من القلعة ، ثم عامل السينما الذي يتسلق سطح احد المحال التجارية ليعلق يافطات الأفلام و ابناء الحارة يتابعون بشغف هذا الموقف ليحددوا الأعمال التي سيشاهدونها بعد جدوله العيدية التي تؤهلهم لحضور ما أمكن من هذه الأفلام او جميعها للميسورين منهم.

نجم الحارة ..

اما نجم الحارة بين كل هؤلاء والذي يسعى الجميع لكسب وده في ليلة العيد هو من يجيد ربط الكرافتة، إذ لا يستطيع اياً كان القيام بهذه المهمة ، فهي تحتاج لمهارة وقدرة على التخيل.

وبين الربط و الرابطة توجد دلالة قوية باللفظ و المعنى، وكأن مشهد ربط الكرافتة هذا يعكس مدى الترابط الاجتماعي بين أبناء حارات عمان و حتى سنوات ليست بعيدة .

هذا العيد الوضع مختلف وسيحل التباعد الاجتماعي مؤقتا بحكم هذا الوباء العالمي ليؤجل طقوس التقارب الاجتماعي الذي اعتاده الناس و أصبح ركنا اصيلا من ثقافتهم العربية والاسلامية .

وللحفاظ على هذه الذكريات الجميلة بدائل كثيرة لعل اجملها استعادة اغاني الأعياد في الزمن الجميل لأن معظمها يحث على التقارب الاجتماعي الأصيل بين الأهل والأقارب و الجيران و الصحبة الجميلة ايضا.

بائع متجول..

كانت الأغنية الأولى التي عبرت عن أجواء العيد دون منازع ولا زالت، هي بكل تأكيد ( ياليلة العيد) لأم كلثوم، والمقطع الأجمل الذي يعكس الترابط الاجتماعي في العيد وهي تشدو (جمعت الأنس ع الخلان.. ودار الكأس على الندمان).

وكما هو معلوم لكثيرين فإن

الملهم لولادة هذه الأغنية الخالدة بائع متجول صدفته ام كلثوم في ليله عيد الفطر وقبيل دخولها مبنى الاذاعة المصرية في شارع الشريفين بالقاهرة ، وكان البائع ينادي على البضاعة (يا ليلة العيد انستينا)، استوقفت العبارة سيدة الغناء العربي، وداخل مبنى الاذاعة التقت الشاعر بيرم التونسي وطلبت منه كتابة أغنية تبدأ بهذا المطلع ويلحنها زكريا احمد، لأسباب صحية لم يكملها بيرم،واكملها احمد رامي، وغنتها ام كلثوم في الاذاعة وفي ليلة عيد الأضحى عام1937، ثم أعيد تلحينها من قبل رياض السنباطي وغنتها ام كلثوم بفيلم دنانير 1940، ثم عاودت غناءها في النادي الأهلي عام 1944 أثناء الاحتفال بعيد جلوس الملك فاروق وبحضوره، وعدلت في كلمات الاغنية في مقطع تمدح به الملك فأنعم عليها بوسام الكمال و لقب صاحبة العصمة.

ويبقى اهم ما في الحكاية أن نجاح الاغنية و ما نالته صاحبتها من تكريم يعود للبائع المتجول الذي لا يعلم أحد من هو، و الملاحظ ان لا أحد استطاع ان يتغنى بالعيد بلحن يوازي هذا العمل، وعلى سبيل المثال قدمت ياسمين الخيام اغنية (الليلة دي عيد)، وبدا تقليد اغنية ام كلثوم واضحا لكثيرين، وبالتالي لم تعلق أغنية ياسمين الخيام في أذهان المستمعين.

العيد فرحة..

يبقى السحر في اغاني العيد القديمة وكما سبق بأنها تحمل رسالة انسانية لإحياء قيم التواصل، وهذا ما ينطبق على اغنية صفاء ابو السعود (اهلا بالعيد)، ولنا ان نتأمل بعض مقاطع الاغنية التي تعزز ذلك:

" العيد فرحة واجمل فرحة .. تجمع شمل قريب وبعيد"، "كل العالم يبقى سعيد.. كله أخوه بره و جوه.. كله فرح وهنا وزغاريد."

المطربة فيروز تتبنى هذه الرسالة ايضا و هي تشدو :

"يا رب تزيد خيرك و تعيد.. ع الدنيي كلها ايام العيد".

يا خالي قرب العيد..

تعزيز أواصر التواصل العائلي الذي تمنحنا اياه أجواء العيد تجلى في اغاني العيد زمان، الأب غنى له الثلاثي المرح (وفاء و صفاء و سناء) :

" وحياتك يا بابا ودينا القناطر.. دا العيد النهاردة اوعى تكونش فاكر ".

والام كذلك، وفي صورة غنائية لشريفة فاضل وهي تتباهى أمامها بفستان العيد "الله ياما على فستاني.. كبرني بحسنه وخلاني.."، والخال عندما (يطنش) العيدية ، تذكره سميره توفيق وبمكر انثوي جميل ( يا خالي قرب العيد.. بدي منك عيديه).

في العيد لم تنس صباح الجيران للحفاظ على ود الجار :

"ايه دا كله.. دا بيعيد على جاره.. ودا بيسلم على جاره.. واللي الفرح بعيد عنه.. يوم العيد جاله وزاره".

ومن اغنيه( النهاردة عيد) خصت هدى سلطان الأصدقاء و الخلان:

"من فرحتك يا زمان.. شفنا الهنا ألوان.. واتجمعوا الخلان.. واللي في حبايبه سعيد.. قال النهاردة عيد .

تجارب اخرى..

لا يخلو رصيد رواد الغناء العربي من ألحان خاصة بعيدي الفطر و الأضحى غايتها أحياء التكافل والتضامن الإجتماعي منها ما حقق صدى ولازالت تعرض عبر الفضائيات و محطات الاذاعة العربية مثل انوارك هلت و فستان العيد للثلاثي المرح، حلو يا فستان العيد، وبكرا بتشرق شمس العيد لصباح، ومن العايدين للمطرب محمد عبده، كل عام وانتم بخير طلال المداح، طال السهر وليالي العيد لطوني حنا و سلوى قطريب، بدنا نتجوز ع العيد غناء نهاد طربية .

وعلى الجانب الآخر توجد بعض الاغنيات التي كان اغلبها من باب المشاركة ولم تحظ بالنجاح المطلوب، ومن بينها :

فرحه العيد محمد قنديل، النهاردة عيد عبده سروجي، يا جناين العيد حوريه حسن و شرفت يا عيد لماهر العطار.

كعك العيد..

"مثل كعك العيد" عبارة يرددها الباعة والتجار في الأردن تعبيرا عن زيادة الطلب على سلعه ما بأنها تباع سريعا كَما هو الطلب على كعك العيد عادة، وهذا يدل على أن هذه الحلوى من صميم الحياه الشعبية وعلى مستوى عربي ايضا.

والكعك وغيره من حلويات العيد يعكس صوره من الترابط الإجتماعي بين الجيران، ففي مدينة عمان على سبيل المثال وفي الأحياء الشعبية تحديدا، كانت تجتمع النسوة قبل العيد و كل يوم في بيت للتعاون في إنجاز هذه المهمة ، وفي التراث الغنائي المصري يردد النسوة المجتمعات معا لصنع (الكحك) كما يطلق عليه في أرض الكنانة ، يرددن الأغنية الفولكلورية الشهيره :

"يا كحك العيد يا احنا.. يا شربتات في الكوبايات"، المطربه منى عبد الغني قدمت اغنية (الكحك عارف موسمه) ومن خلال فيديو كليب لإحياء هذا الطقس الغنائي المصري القديم.

لم تتوقف اغاني العيد على تمتين العلاقة الاجتماعية في الوطن العربي، وركزت على الحلم بالوحدة العربية وتباشير النصر مع قدوم العيد، كاغنية (هل هلال العيد) لنور الهدى ومن كلماتها ( هل على الإسلام يحمل الف سلام.. ومن العام للعام يحيى نصر جديد)، وأيضا من اغنية (كل عام عام وانتم بخير) لفايزة احمد :

"كل إيد بتقول لايد.. اهلا اهلا عيد سعيد.. كل عام إلى الأمام ومنصورين".

من سوريا وبصوت رفيق السبيعي ( العيد ال عالتمام.. تعيش الدنيا بسلام.. تتحرر فلسطين من قسوه الظلّام).

صوت السهارى ..

حاله من الحزن تنتاب كثيرين مع صباح اول يوم عيد الذي يذكرهم في البعيدين عنهم، اغاني العيد لم تنس هؤلاء وخصتهم بأعمال تعكس هذه المشاعر الإنسانية النبيلة ، ومن بينها : (وانت عني بعيد) لمحرم فؤاد، (صوت السهارى) عوض الدوخي، (يا ياما لو جاني العيد) ابوعرب، والصوت الملائكي فيروز وهي تناجي الحبيب الغائب الحاضر :

"نطرتك على بابي في ليلة العيد.. مرقوا كل اصحابي ووحدك اللي بعيد".

اغاني القمة..

اغاني العيد القديمة بقيت في القمة و الصدارة ولم تقدم أعمال غنائية توازيها لغاية الآن، والأسباب كثيرة أهمها ان من أبدع هذه الأعمال أمتلك من الخبرة ما يجعل هذه الألحان تعيش مئة عام و أكثر، وهم يقصدون ان يخلدوا هذه الألحان، في الوقت نفسه درجت محطات الإذاعة و التلفزيون انذاك على إنتاج ألحان خاصة بهذه المناسبة وهذا ما نفتقده الآن.

التركيز على الجانب المادي جعل المنتجين يقحمون عن هذه الخطوة فهي تذاع ايام قليلة في السنة ولا عائد ماليا من ذلك على غرار ( النمبر ون)، لذا غابت اللمسة الإبداعية لأهل الفن زمان

" وعايزنا نرجع زي زمان.. قول للزمان ارجع يازمان".