إربد- أحمد الخطيب

تتوفّر مكتبة الأدب العربي على نماذج كثيرة ارتبطت برمضان، إذ أن المبدعين العرب وقفوا في الكثير من أعمالهم الإبداعية على هذا الشهر الفضيل، فمنهم من يراه واحة للتأمل والخلوة والانقطاع عن مادية الدنيا، ومنهم من لم يخرج عن سياق مألوف الأدب وأغراضه، ومنهم من ذهب بعيداً في استدراج طقوسه والاتكاء عليها، ومنهم من نظر نظرة في الأفق، فعدّه أمارة خير، وبشارة يُمن وبركة، ومن نماذجه ما قاله الشاعر محمود حسن إسماعيل: "أضيف أنت حل على الأنام، وأقسم أن يحيـا بالصيـام، قطعت الدهر جوابـا وفيـا، يعـود مزاره في كل عـام، تخيم لا يحد حمـاك ركـن، فكل الأرض مهـد للخيـام، نسخت شعائر الضيفان لمـا، قنعت من الضيافة بالمقـام"، وفي نموذج آخر يقول أبو بكر عطية الأندلسي: "إذا لم يكن في السمع مني تصاممٌ، وفي مقلتي غضّ، وفي منطقي صمت، فحظي إذاً من صومي الجوع والظما، وإن قلت: إني صمت يوماً فما صمتُ".

يأتي رمضان هذا العام، والفضاء العالمي مكبّل بجائحة "كورونا"، ومعها غابت الطقوس الخاصة بالموائد الرمضانية، وصلاة التراويح، والمسحراتي، والفوانيس، حيث تساهم هذه الظاهرة بغياب التكاتف الاجتماعي الذي ظهر في إطار آخر، لصالح التباعد الاجتماعي الذي أوصت به الحكومة، بهذا السياق كيف ينظر المبدع لهذه التحولات، وكيف يتعامل معها إبداعياً، وكيف يقدم طقوسه الخاصة.

يرى نخبة من المبدعين أن رمضان شهر تتصل به الروح في عوالم أخرى غير منظورة، يتأملها المبدع وهو في طريقه لتحسس هموم الآخرين، ويقف معها على مفترق طريق التحوّل النفسي والاجتماعي، كما يتبنى معها منازل البحث عن القراءة الروحية للمفردات، مؤشراً بذلك على الحدود العليا للتكافل الإنساني، ومع هذه الجائحة التي تعصف بالكوكب الأرضي يرى مبدعون أن الالتفات إلى الذات الجمعية مناط التفكير والتأمل في هذا الشهر، فالمبدع كما يؤكد آخرون هو الأقدر على تلمّس ميادين النفس وبحثها عن الطمأنينة.

*عبد الغني: التخلي عن العادات المصاحبة

يشير الناقد هاشم خليل عبد الغني إلى أننا كحال مئات الملاين من البشر، نعيش في الأردن عزلة طارئة ، بسبب ضيف ثقيل الظل (كورونا) إذا فتحنا له الباب سمم حياتنا وقتلنا ببطء، بسبب هذه الجائحة التي تزامنت مع شهر رمضان المبارك، بات لزاما علينا التقيد بتعليمات السلامة العامة والتخلي عن عاداتنا المصاحبة للشهر الفضيل، حرصا على السلامة الخاصة والعامة.

ويرى أن طقوس الشهر الفضيل في هذا العام، تكاد تختفي، أو أنها ذهبت في مسار آخر، فلم نعد نستمع للأحاديث الجانبية التي كان لها صدى في اللقاءات السريعة بعد صلاة التراويح، ولم تعد الشوارع مراحاً للطفولة بعد الإفطار، ولم تعد تزيّن الإضاءة الملونة جدران البيوت، أضف إلى ذلك غياب اللقاءات الأسرية التي كانت تشكل في رمضان مؤتمراً عائليا مصغراً يتداول من خلالها المشاركون في وليمة هموم العائلة، ومع هذا الغياب القسري لهذه الطقوس، يرى أن هذه الجائحة قد فتحت آفاقاً جديدة للمبدع للتأمل والخلوة والانقطاع، وإعادة ترتيب الأولويات .

ويؤكد أن العزلة أو الحجر الاضطراري يصبح ضرورة وكما يقال (أن تكون لوحدك لا يعني أن تكون وحيداً)، فعلى المبدع استغلال هذه العزلة، بالتفاعل مع كافة أبناء المجتمع للعمل على مواجهة هذه الأزمة الصحية، والتقليل من أضرارها ومضاعفاتها.

وفي سياق الدور الإنساني المأمول من المثقف الأردني؟ في ظل هذه الهزة الصحية العالمية، يرى إنها فرصة للمبدع ، ليروض عزلته الإجبارية، فالمطلوب من المــبدعين والمثقــفين التعــامل مــع الحـالة بأفـكار مبتـكرة، ومنهجيات جديدة مع مشكلة غير مسبوقة، إلى جانب الكتابة فـــي مختــلف الأجنـاس الأدبيــة، أبـحاثـاً، دراسات وعمل فيديوهات توعوعية، عن طريق كتابـة إشعــار ومسرحيــات مـــوجهــة للأطــفال والكبــار، لحثهم عـلى الالتزام بتعليمات المختصين من أطباء ورجال أمن ومسعفين، ودفاع مدني. كما إنها فرصة للمبدع للقراءة والاطلاع

ويرى بأن على المبدع أيضاً أن يقوم بدور نفسي واجتــماعي في محيطه ومع أصدقائه ومعارفه، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، للتأقلم مع هذا الطارئ الذي لم يـــكن مــتوقعا بالتخلي عن بعض العادات الاجتماعية التي تعودنا عليها في شهر رمضان، حــرصاً عــلى الأمــن الـصحـي المجتمــعي، فمسؤولية المثقف تتضاعف قي الأوقات الحرجة، لكي نعبر هذه المرحلة الحرجة بسلام.

ويخلص الناقد عبد الغني إلى أن لرمضان طقوس روحانية خاصة لدى المبدع، ففيه تنتعش الطاقات الإبداعية، فهو فرصة للقراءة والتأمل، واستعادة ذكريات الطفولة وفرصة لقضاء وقت جميل مع الأهل والأصدقاء والتفرغ للعبادة .

*الأشقر: المثقف لا ينفصل عن واقعه

يقول الشاعر عصام الأشقر في ظل هذه الظروف الاستثنائية التي تعصف بالعالم أجمع، فإن المثقف لا ينفصل عن واقعه ومجتمعه، بل هو جزء منه. يؤثر ويتأثر بالظروف المحيطة ويتفاعل معها. وبشكل شخصي فإنه لم يشعر بأي ضغوطات من تلك التي يشعر بها الكثير من الناس من حيث التضييق بالحجر ولزوم البيت، فهذا الأمر من أحب الأمور إليه من حيث إتاحته الفرصة الواسعة له للقيام بالكثير من الأمور التي لم يكن يجد الوقت الكافي للقيام بها، وهذا هو حال الكثير من الكتاب -على ما يعتقد- فهي فرصة للكثير من الكتاب للإبداع، وإنتاج شيء ومادة لم يكن ليحصل عليها لولا هذا الحجر الاستثنائي الشامل، فهذه الجائحة فريدة، ومن غير المحتمل تكرارها إلا إذا أصبحت سنّة الحروب القادمة التي تعتمد على القتل الكيميائي الجرثومي.

وحول رمضان وطقوسه التي جاءت في ظل هذه الظروف، فيرى أنه الأفضل على الإطلاق، إذ ربما يسهم هذا الحظر في الحد من الإسراف والترف والإنفاق الذي لا لزوم له، موضحاً أن أجواء رمضان التي يفتقدها الكثيرون يمكننا خلقها في بيوتنا دون أن نؤثر على الآخرين.

ويلفت النظر إلى إن أكثر ما يهمه في هذه الأيام هو اللقاء بالأهل والأقرباء وبعض الأصدقاء الذين يشكلون شيئا من المخزون الاجتماعي والعاطفي، وما عدا ذلك فيظن أنه سيكون أقرب إلى ربه، وبعيدا عن كل ما كان يدور في الشوارع من أحداث ومزاحمات ومشاحنات وملهيات.

ويتمنى الشاعر الأشقر من الله أن تنتهي هذه الجائحة وقد عرفنا ما نريد، وحصلنا على ما نريد من رفعة وتقدم وازدهار لأمتنا، وأن نكون قد تعلمنا معنى الحضارة التي افتقدناها منذ أن ضعف التزامنا بديننا.