لم يكن الملك بحاجة لاكثر من حديث مختصر جدا بكلمات وسطور مقتضبة جدا في اجابة لاسئلة (الدير شبيغل) الألمانية حتى يستيقظ اعلام العدو على وقع الصدمة والاضطراب الاعلامي والتحليلات والتفسيرات المتضاربة التي خلقت حالة من التيه والهلع في الشارع الاسرائيلي وصلت مرحلة (الترند) وفي بند المعلومات تشير بعض التسريبات الى مدى تسلل هذه التصريحات الى عمق الكيان المحتل لتخلق اتجاهين محددين الأول تمثل بدفع ورفع المعنويات لدى الشقيق الفلسطيني تحت الاحتلال بأن الأردن لن يقف مكتوف الأيدي تجاه العنترية والصلف الصهيوني مهما كان الثمن، والثاني بدفع الكيان المحتل لإعادة ضبط ساعته السياسية على توقيت عمان، حتى أن بعض التحليلات الإعلامية أشارت إلى تأثير محتمل لتوجهات الملك عبد الله الثاني على تشكيلة الحكومة الصهيونية باعتبار أن (جميع الاحتمالات مفتوحة)..

منذ فترة نرصد عدائية شديدة في الإعلام الصهيوني تجاه الأردن، فلقد جرى ترك إيران وحزب الله و"حماس" وباتت المملكة تأخذ الحيز العربي والنطاق الأوسع في هذا الإعلام المفلس فلسفيا وقيميا، لدرجة تجاوز جميع أدبيات الحد الأدنى المعقول من العلاقات (الباردة) لياخذ أعلامهم شكل الحملات الممنهجة، والموظفة والموجهة، وبدأت الأصوات ترتفع والرسائل الإعلامية توزع بعناية على الإعلاميين الصهاينة، وجرى مهاجمة الأردن بشكل غير مسبوق وقرأنا لمقالات تدعو إلى دعم "المعارضة" أو توفير الأرضية الخصبة والدعم اللوجستي لها بطريق مباشر أو غير مباشر، لكن بجميع الأحوال بات الإعلام الصهيوني الموجه يتعامل مع المملكة وجلالة الملك كخطر استراتيجي على فكرة يهودية الدولة ووجودها..

رسائل مهمة جدا في مقابلة (الدير شبيغل) تضمنها الحديث الجريء الواضح المفعم بالثقة والاتزان وعبقرية انتقاء الكلمات والاجابات تجلت في (تنكيس) عمليات البروباغندا الصهيونية تجاه الشقيقين العربيين السعودي والإماراتي حيث كان الإعلام الصهيوني فعالا منذ فترة باتجاهات الحرب النفسية وافتعال الأزمات، ومحاولة نقل الصراع باتجاه الخليج وإظهار الاشقاء بأنهم قابلون بهزيمة القرن فبدد جلالة الملك أحلامهم وأوهامهم عندما كشف عن حقيقة دعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو الشيخ محمد بن زايد للمملكة الأردنية الهاشمية وللفلسطينيين، وأنه لا تغيير على المواقف العربية من ثلاثية الدولة وعاصمتها القدس والحدود بمرجعية المبادرة العربية والحقوق المتمثلة بالعودة والتعويض، ولقد كانت كلمات الملك دقيقة ومحسوبة بعناية الحريص..

رسالة مباشرة للفلسطينيين مفادها بأنه يمكنكم التعويل على الأردن والأردنيين دولة وشعبا، وقيادة، عند الشدائد ورسالة تحذير واضحة من خيارات مفتوحة وأوراق يمتلكها الأردن لمواجهة أي اجراءات لا تتفق والشرعة الدولية وكلمات حازمة حاسمة لا تحتمل التأويل، والتفسير حاول الإعلام الصهيوني احتواءها أو إعادة توظيفها أو برمجتها، وفشل في ذلك فشلا ذريعا لا بل وخلقت بلبلة إعلامية وسياسية على جميع المستويات ومن الآن فصاعدا على نتانياهو أن يعد أصابعه ليعرف ما الذي فقده بالضبط..!!