د. أيوب أبودية

(باحث وكاتب أردني)


ما زال الاحتفال بذكرى يوم الأرض الذي صادف في 22 نيسان مستمرا، فهذا العام هو "عام كورونا" بامتياز، ويمكن القول إنه إذا كان فيروس الكورونا (Covid-19) قد تطور تطوراً طبيعياً عن طريق الطفرة الجينية (Mutation) لسبب طبيعي ناجم عن فعل الإنسان نفسه، فإن الغلاف الحيوي للطبيعة (الهواء السطحي والماء والمواد الحية التي تعيش فيه) شرع في الانتقام لنفسه بسبب سلوكنا المتمركز حول الإنسان لتلبية رغباتنا، بدلاً من السعي إلى توفير الاحتياجات الضرورية وحسب.

وبات من الواضح اليوم أن محاولات تمركز الإنسان حول نفسه تلك هي التي استنفدت البيئة من خلال ابتعاث غازات الدفيئة باضطراد (GHGs)، وهي نشاطات صادرة عن الأنانية البشرية في جميع أنحاء العالم، وبخاصة بفعل النمو الهائل في الدول المتقدمة، وتحديدا في الصين والولايات المتحدة الأميركية. ولإضافة الضرر وتعميقه مارسنا أيضاً إزالة الغابات المطرية بوتيرة متسارعة، وشرعنا بالتوسع في أعمال التعدين، والصيد المفرط، واستخدام المواد الكيميائية الضارة، والاعتماد على غيرها من الاختراعات والتكنولوجيا المتقدمة التي تضر بالطبيعة. لذا، فلنتساءل كيف ساهم الكورونا (Covid-19) في انتقام الطبيعة لنفسها والعودة بالتلوث إلى الوراء؟

لقد ساعدت الإجراءات الصارمة التي التزم العالم بها مؤخرا، مثل الحبس الانفرادي والابتعاد الجسدي وممارسة أنواع أخرى من عمليات الإغلاق والتباعد والحجر.. إلخ، في الحد من استهلاك الوقود الأحفوري في النقل والصناعة والسياحة وما اليها، وأيضاً خفضت من الاستهلاك المفرط للطاقة في المكاتب والأماكن العامة، وتم تخفيض استهلاك المباني العامة لطاقة التبريد والتدفئة، وخفض الطلب المفرط على الكهرباء بشكل كبير. ومن المحتمل أن ينعكس هذا كله بانخفاض طفيف في تركيز جزيئات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي قريباً جداً، وكذلك في انخفاضات غازات الدفيئة الأخرى، مثل غازات (CH4) و(N2O) و(SF6) والكلوروفلوروكربون، طبعا إذا استمرت التدابير لفترة زمنية كافية.

كذلك سوف يقلل تراجع الشحن الجوي، الذي تم تخفيض وتيرته أيضاً، واقتصاره على رحلات محدودة، من كمية الملوثات عند المستوى العلوي من الغلاف الجوي في طبقة الستراتوسفير التي أصبحت تمثل مشكلات بيئية خطيرة في العقود القليلة الماضية، إذ يتم احتجاز غازات الدفيئة فوق مستوى الغيوم، حيث أنظمة الترشيح والقدرة على تفكيك المركبات إلى عناصرها الذرية أقل بكثير، وبخاصة في ظل عدم وجود عمليات تركيب ضوئي لتفكيك المركبات الجزيئية المعقدة. إذ يحتاج بعض هذه الغازات المركبة العالقة إلى عشرات ومئات السنين ليتفكك، وبالتالي تختزن هذه المركبات مخاطر بيئية كبيرة لأجيال قادمة.

ونظراً لتناقص الطلب على الوقود الأحفوري والصناعة وتدهور القوة الشرائية، فإن الطلب المتوقع على توسيع المزارع على حساب تدمير الغابات المطيرة والموائل الطبيعية سيتناقص بالضرورة، رغم التصريحات المؤسفة بأن الحظر الأخير زاد من تركيز الغازات. فالأثر الحقيقي لن يظهر فورا، إنما بمرور الوقت. ورغم ذلك، فإن التوقف المتوقع لأي زيادة في تركيزات غازات الدفيئة، أو ربما حدوث انخفاض طفيف عليها بعد زمن، قد يمنح الشعاب المرجانية العالمية المحتضرة، التي مات نصفها بسبب الاحترار العالمي، فرصة للازدهار مرة أخرى، وبالتالي إعطاء المزيد من القدرة على التحمل للحياة البحرية بمجملها.

كذلك، فربما تتوقف الحموضة المتزايدة لمياه البحر أيضاً، أو ربما تنعكس للسماح بتكاثر أعداد أكثر من العوالق البحرية، وبالتالي سوف تسمح باستهلاك المزيد من ثاني أكسيد الكربون من الهواء وإطلاق المزيد من الأكسجين في الغلاف الجوي.

يبقى السؤال الملحّ: إلى متى سيستمر هذا الاقفال؟ وما مدى تأثيره الإيجابي على البيئة، وهل يمكن أن يستمر طويلا؟ قد تسفر بعض الإجابات عن حقيقة أن التأثير المتوقع ضئيل جداً. ورغم ذلك فيجب أن نسأل أنفسنا: إذا كانت صحة مواطني العالم الحاليين مهمة جداً للحكومات في جميع أنحاء العالم، لدرجة أنهم باتوا يُضحّون بالاقتصاد من أجل صحتهم وسلامتهم، فماذا عن الأجيال القادمة اللذين ستتعرض لظروف أسوأ غير متوقعة بسبب الاحترار العالمي بشدة أكبر في العقود القادمة، بدءاً من انتشار الأوبئة ونقص مياه الشرب، وصولاً إلى المجاعات! ألم يحن الوقت لأخذ تغير المناخ على محمل الجد؟ على الأقل من أجل سلامة أجيال شبان اليوم وأجيال المستقبل حتى نهاية القرن، والذين لم يولدوا بعد، فعند ذاك ربما يتجاوز متوسط ارتفاع درجة الحرارة 4 درجات مئوية، أو ربما أكثر، عما كانت عليه قبل مئتي عام؟

إنّ كل التغيرات المناخية التي نشهدها اليوم وعواقبها المدمرة، كالأعاصير والفيضانات وغيرها، هي استجابة لتغير درجة مئوية واحدة فقط في متوسط درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض فوق المستويات التي كانت عندها منذ قرنين نحو بداية الثورة الصناعية في نهاية القرن الثامن عشر، لذا تخيلوا عواقب التدهور الذي تتوقعه أبرز مراكز البحث في العالم، بما في ذلك (IPCC) التابع للأمم المتحدة، وهو يتراوح بين 1 درجة مئوية إلى 4 درجات مئوية، وربما أكثر! فهل يمكننا إذن اعتبار جائحة فيروس كورونا الذي يصيبنا اليوم نعمة من منظور بيئي، أم إنه انتقام للطبيعة من البشر للضرر الذي ألحقناه بهذا الكوكب الجميل؟