عمان - الرأي



نجوى الرّوح الهمّامي

(كاتبة من تونس مقيمة بالكويت)

الخوف علّة التّمام

نرتجف كقلوب أكلها البرد

نبتعد..

نستحضر كلّ ما قاله الموغلون في الوقت...

الآخر... جحيم

الآخر... ذئب

الآخر.. وهم

الآخر... أنت

نطوف حول أنفسنا مثل صوفيّ

نطوف... نطوف

نسقط على أرض باردة.

***

يتسرّب الخوف من الجدران ومن فتحات التكييف.. الخوف على أحبّتنا يلفّ مصابيح الإنارة.. الخوف يتدلّى من السّقف.. يلتفّ على العنق.. يلفّ الخاصرة.. يضيق... يضيق.. تضيق بنا الأرض بما رحبت..

الوحشة تغلّف أكواب القهوة.. صورة أبواب المطارات المغلقة تقفز من البالوعات.. تفيض بها.. تغمر الأرضيات.. تقفز من حوض المطبخ.. ترتسم في المرايا... أبواب السّماء مغلقة..

تطبق علينا الجدران والسّقف، لنرسم لوحة سريالية ونستحيل أبطالا لأفلام شاهدناها.

***

فجأة تحوّلت الحياة في الخارج إلى سياج من الأبواب المغلقة. اصطفّت المباني كطابور أسرى ينتظر الحكم: إعدام أو تعذيب أو فكّ أسر (مساجد، مطاعم، حدائق، محلات، دور سينما، مسارح، ملاعب كرة، مراقص، مقابر...).

أكثر ما يُفزع طرد المقابر لنا.. لا تستطيع التّوديع ولا التّشييع ولا التّعزية... على الجموع والحشود أن تتوارى.

مراجيح الأطفال في الحديقة.. صوت أزيزها.. ضحكات الأطفال تُطاول نخل الحدائق.. أحذيتهم المُضيئة للظّلام... انطفأت كلّها فجأة...

اللّيل صديق الطّبيعة يؤنسها.. الظّلمة لا تريدنا ولا النّور..

نحن الآن لصوص نهار... قطط تحكمها غريزتا الخوف والجوع.. سرعان ما نعود إلى أبوابنا المُغلقة.

(هسسس).. لا صوت في الخارج سوى العاصفة تعوي عواء مُخيفا، وفي الدّاخل قلبي يرتجف من البرد.

فجأة توقّف العالم عن الدّوران.أصبحت "لو سمحتَ أوقف الكرة الأرضية أريد أن أنزل" أمنية قابلة للتحقّق. الكرة واقفة يا صديقي.. ولا أحد به رغبة للنّزول. الجميع يرجوها كي تعود إلى دورانها.. دورانها الذي يجعلك تدخل في غيبوبة الفوضى المحمومة.

الجميع يفتقد جنون الجمهرة.. يكاد يجنّ من وحدته.. حتى من تعوّدوها، يعزّون النّفس بموسيقى أكثر وكتب أكثر وطعام أكثر لكنّها الحرّية الأقلّ يا صديقي..

سنزداد عُزلة ونتكوّر كقطط تنشد العطف خلف الباب.. ربّما أصبحنا عناكب مُعلّقة في أسقف بيوتنا، أو أشباحا تسكن شُقوق الجدران وفتحات التّكييف.. أنتم لا تعرفون معنى الانقطاع عن العالم.. ليس في الأمر رومانسية.. تتحوّلون إلى مخلوقات عاجزة عن الفهم..

تُربّي قلوبكم ذقونا بسبب الفوضى.. فوضى الصّمت.. تتصوّرون أن الصّمت غاية التّرتيب.. أنا أجد الثّرثرة غاية المنطق.. الصّمت بركان.. الصّمت حالة من البعثرة القاتلة.. وما حولنا قاتل.

كم تعودنا على الضّجيج! الصّمت نصلُ سكّين.. الصّمت هشّم رأسي قِطعا لا يُمكن تجميعها.

فوضاه تقرع الطّبول في رأسي، الصّمت يقيم جوقته بيننا.. عندما لمحت الهلع في وجوه الآخرين، احتضنتُني بيدين باردَتيْن.. قدماي تغوصان في الأرض.. يتسرّب الدّمع إلى حلقي...

أنا خائفة يا أبي.. قلبي يرتجف.

فجأة توقّف النّاس عن الدّوران حول مقدّساتهم.. فقدَ منتفخو الذّوات وجود من يتزلّفون إليهم بعبارات تمجّدهم.. تمجّد إطلالتهم أو مكانتهم أو كلامهم الممجوج في غالب الأوقات.

الكلّ مختبئ خلف الجدران. لا أحد سينادمك ولا كفّ تمتّد لتحتوي أخرى. لا حرارة لقاء ولا شوق ولا توديع.. إنّها حياة داخل بيت للموتى مليء بثلّاجات.. لا أحد سيشاركك نخبك.. اشرب نخبك.. قد يكون قبل الأخير.. وإن نجوت فربما نجوت وحدك..

لن يخرج أحد لسرقة شيء. لاشيء في الخارج. انجُ بنفسك.

سارقو الأحذية؛ لقد أُغلقت المساجد والطّرق. عودوا إلى جحوركم واخلعوا أحذيتكم حاملة موتكم. لا حقائب للسّرقة.. كلّ الأِشياء تحمل أجهزة إنذار خفية..

السّادة المتأنّقون.. لا وجه لامرأة تمسح ممرّاتكم اليوم.. تمرّون من أمامها بأحذيتكم بكلّ صلافة.. لا مدارج محاكم صاخبة، ولا مطاعم تشهد عروض أزيائكم ورياءكم..

بلحظةٍ فقد متضخّمو الأنا من ينفخ في أناهم ويلمّع أخطاءهم وخطاياهم..

الخارج كذبة.. كل ما يوجد خارج جدرانك لا يُعرّفكَ.. لستَ أنت. لستَ سيّارتك التي أكلها الغبار وتأكلها أشعّة الشمس أو برودته ولستَ باب بيتك المنمّق ولستً حذاءك اللامع.

عد إلى كهفك.. كلّ الأبواب موصودة.

***

أنت الآن مجرّد رقم.. استحلت رقما في جهاز حرارة وقفّازا وكمّاما ومعقّما. أنت مجرّد شبح يملك هذه الأشياء..

أنت لا شيء دون إنسانيتك. فتّش جيوب روحك جيّدا. يمنحك الكون هدنة لتزيل الصّدأ عنك وتنفض ما علقت به من قذارة..

أنت الآن رديف العزلة والخوف والخرس..

لقد تعادل الجميع في هذه المباراة.. السّود والبيض والصّفر والسّمر والقوقازيون.. تعادل الجميع.. القاتل والمقتول.. السجين والسّجّان.. تحوّلنا إلى كائنات مكمّمة بآذان تشبه أجهزة استشعار في حالة تأهّب وانكسار..

لقد اختفى الجميع وحضرت الكارما لتنصب ميزان عدالتها.