عمان- فاتن كوري 

نضال القاسم، شاعر وناقد أدبي، من الأسماء الفاعلة والحاضرة في الساحة الثقافية، برز صوتًا شعريًّا متفردًا ومختلفًا منذ مطلع الألفية الثالثة، وشكلّت الهويّات التي ينتمي إليها أصواتًا متباينة داخل قصيدته التي تتغّنى بالإنسانية والحريّة والكرامة والعدالة والحب، توزع نتاجه الأدبي بين الشعر والنقد، وله العديد من الأعمال الشعرية، كان أولها "أرض مشاكسة" وآخرها "أحزان الفصول الأربعة" والذي يعتبر إضافة نوعية إلى تجربة هذا الشاعر.

عن شغفه الروحي بالشعر، وعن تجربته النقدية وجوانب من خصوصيتها، ومدى تنّوع التأثير اللغوي والثقافي في إنتاجه، وأمور أخرى كان لصحيفة الرأي معه هذا الحوار:

- في الكثير من التجارب الشعرية تأتلف الموهبة مع التجربة لإنتاج النص المشتهى، أيهما يسيطر على الآخر في نصَك؟ ولماذا؟

العمليّة الإبداعيّة لا تقف عند حدود الموهبة والدّفقة الفطريّة الأولى، حيث أنّ الشّعر مزيج من الموهبة والصّنعة، ومن لا يملك موهبة الحفر في اللغة والحفر في الموسيقى والحفر في أقاليم الخيال وتضاريس الذاكرة لا يمكن أن يكون شاعرًا مؤثراً، وإذا وجدت الموهبة فهي تحتاج إلى التطوير، والتعلم والاكتساب والصقل، والاستزادة والتجويد، والاحتكاك والقــــراءة، وإثـــراء الثقافــــة، وتغذيــــة الفكــر، وليس من أحد من الشعراء يستغني عن ذلك، وباعتقادي أن جانب الموهبة والإلهام الشعري بما ينطوي عليه من التأمل والفكر وحدة الخيال وأصالة الابتكار وسعة الثقافة له الدور الأكبر في تشكيل نصوصي التي يتطلب بناءها عمقاً في الثقافة وتمرساً دقيقاً في استخدام التراكيب والمفردات اللغوية المحسوبة بدقة وكثافة صورية متميزة ومعمارية عالية، وهو بمثابة العمود الفقري الذي يقوم عليه معمار قصائدي.

- تتأرجح بين الشعر والنقد، إلى أيهما تميل؟ وهل ترى أن النقد في تجربتك أقرب إلى المهنة الأدبية، فيما الشعر أغصان الموهبة التي تشذبها بالنقد؟

هذا سؤال له شقان. الأول يرتبط بالشعر والثاني بتجربتي النقدية وتأثيرها على أعمالي الشعرية، والمسألة هنا مركبة وبحاجة إلى تأمل، فالكتابة بأنواعها كلها روافد لنهر واحد لابد وأن تلتقي في مكانٍ ما، وأعتقد أن المهم في لحظة الكتابة هو لذة الكتابة، ولا أرى أنّي مطالبٌ بحسم أمري بين الشعر والنقد، فبالنسبة لي الشعر جزء من حياة لا تنتهي، وهو تحريض للحواس وللخيال وللحسّ الجمالي، الشعر معاناة وتجربة ذاتية وأثر حضاري راق يرتبط بروح الانسان ووجدانه واتساع رؤيته للعالم، وهو نبض الحياة العميق، وأنا أهتم بالشعر لأنه يعبّر عن أوجاعنا فهو كما قال عنه هيجل (فنّ الفنون) أو هو أرقى أنواع الفنون. أنا شخصياً بحاجة لهذا الشعر كقيمة استراتيجية وذخيرة روحية كي أستمر في الحياة، والشعر بهذا المفهوم يجب أن يتعالق مع حياة الناس بأفراحها وأحزانها وأن يكون صادقاً في التعبير وتوعية الجماهير، بمعنى أن يكون الشاعر مناضلاً لتحقيق العدل بين الناس ورفض الظلم والتمسك بجدوى التمرد على كل شيء في الحياة.

أما النقد فهو يأتي بعد الابداع فينظر ويستخلص القوانين، وهو الذي يعطي للعمل الأدبي قيمته الحقيقية ويوجه عملية الإبداع، وينظمها، وما من شك أن وجود التداخل في تجربتي بين فعاليتي النقد والأدب، لم يتأت عن خيار قصدي أو بتصميم مسبق، لقد نشأت، وأنا تتنازعني جواذب عدة، وفي الواقع أنا مصرّ أن أكون الاثنين معاً، ولا أطيق أن أتخلى عن كليهما، لأني أجد في هذه التعددية؛ تحرراً، وامتداداً للذات.

- هل تسللت إلى السَرد ذات ليلة؟ وما كانت النتيجة؟

منذ فترة قريبة عدت إلى مواصلة مشاريع سردية كانت مؤجلة منذ سنوات، كنت قد كتبت جزءاً منها وتحديداً ثلاث مسرحيات وضعت فيها شيئاً من روحي، وحاولت فيها أسطرة التاريخ وابتكار الأقنعة والشخصيات والرموز طامحاً أن أخلق رموزي وأقنعتي وأساطيري الخاصة، بمفهوم ينسجم مع حساسيتي الجديدة، ضمن نصوص مسرحية ذات صلة مباشرة بالتجاذبات الراهنة في مشهدنا السياسي، تجاوزت فيها الحدود المستقرة أو المتعارف عليها فنيّاً وتقنياً بين السرد والشعر، إيماناً مني بأن الإبداع لا جنس له، ولا حدود، وأن اللحظة الإبداعية تتحكّم في القول وتختار له الوعاء الأجناسي المناسب، وأن كل أدوات التعبير اليومية يمكن تحويلها إلى أشكال تعبيرية تجريبية جديدة، بدون الخضوع لوهم الجماليات المتوارثة، وعملي هذا يتقاطع مع مشروعي الشعري والنقدي، وما زال لدي الكثير الذي ينبغي أن أقوم به في هذه المجال، أما النتيجة فهي نصوص مسرحية تجريبية جامعة فيها الشعر والسرد وما بينهما وتجمع ما بين الواقع والخيال.

- أنت قارىء نهم ومطّلع على التجربة الشعرية والسردية العربية والمحلية، كيف ترى التجربة الشعرية الأردنية في الفضاء العربي؟

- اختط الشاعر الأردني لنفسه طريقاً مستقلاً، واقتحم بشعره فضاءات مغايرة تحمل من غوايات التحول ما يغري الآخرين بالاتجاه إليها، وكمحصلة للجهود الذاتية للشعراء الأردنيين فقد حظي الشعر الأردني عامةً بإقبال جيد وبانتشار مرموق في الفضاء العربي، فلا شيءَ يُوحّد العرب أو يذكرهم بمصيرهم المشترك مثل الشعر بالذات، فهو فنّ الروح القومية، وقد نجحت بعض التجارب الشعرية الأردنية في إثراء المدونة الشعرية العربية وفي إرساء خطاب شعري حداثي خلاّق، عبر سلسلةٍ من الأعمال الشعرية التي لم تنضبْ ولم تتوقّف عن النبض منذ ثمانين عاماً.

- ماذا أعطاك الشعر؟

أنا شاعرٌ إنسانيُّ الرؤية والموقف، تقدمي الروح والفكر، أرفعُ مشعل الإنسانية وما تمثله من دعوةٍ للمحبّة والسلام وإعلاء إنسانية الإنسان، والشعر من وجهة نظري هو التعبير عن المشاعر بلغة جميلة، وقد علمّني الشعر الجرأة والتمرُّد على الظلم والقهر والاذلال والظلام والانسحاق، والسباحة في مياه الحريَّة، والتحليق بدون أجنحة في كل الاتجاهات، وفي أشعاري تعبيرُّ عن الهمّ الإنسانيّ، واحتفالٌ خاصٌ بالحياة، وتحريضٌ على مواصلة النضال ورفض السقوط والاستسلام والمجازر التي تتعرّض لها الشعوب.

إن أشعاري تعبرُّ بنبرة واقعية، وحسّ إنساني رفيع المسـتوى، عن أشواق الإنسان وأحلامه في تجسيد العدل والحريّة والمساواة والرحمة وتخليص العالم من الظلم والاضطهاد. فالشعر هو الذي يصنع الجمال، والروح الشعرية هي التي تحدد قيمة القصيدة.

- أي نصوصك أقرب إليك؟

كلها قريبة مني، سواء كانت ناجحة أو لم تحقق نسبة نجاح مرتفعة، وربما كان الأقرب إليّ ديوان {أحزان الفصول الأربعة}، حقيقة أشعر أن هذه الدواوين كلها، وبكلمة أدق، كل ديوان من دواويني أخذ شيئاً مني ومن ذاتي، لكن ثمة أعمالاً حملت معها ذكريات جميلة خصوصاً {مدينة الرماد} و {الكتابة على الماء والطين}.

- ماذا تكتب الآن؟

هذه الأيام التي نعيشها الآن، فرصة باهرة للقراءة، وهي فرصة لا تقل بهاءً للكتابة أيضاً، فالكتابة عندي ليست أمراً طارئاً وإنما هي سلوك يداخل حياتي اليومية، وأعترف أن لعبة الكتابة لعبة رائعة ومُسليّة وممتعة، وهي شفاءٌ للروح، وقد كان لها الدور الأكبر في إخراجي من حالة الضيق والكدر والركود!.

أنا الآن بصدد استكمال فصول كتابي الذي أعده عن تجربة الناقد والفنّان التشكيلي والروائي العربي الدكتور محمود عيسى موسى، كذلك أضع اللمسات الأخيرة لكتاب نقدي سوف يصدر قريباً حول تجربة الشاعر والناقد العربي الدكتور علي جعفر العلاق. والمشروع الثالث الذي آمل إنجازه خلال هذا العام عن ثلاثة شعراء أردنيين هم إدوارد حداد وحبيب الزيودي وعاطف الفراية تحت عنوان(ثلاثة شعراء أردنيين) دراسة في ثلاثة نماذج شعرية. كذلك ما يشغلني وأعدُّ له حالياً مشروع ديواني الشعري السابع والذي انتهيت من كتابته وأظنني سأبدأ بنشر قصائده في الاشهر المقبلة .. ثم أنني في حاجة ماسة جداً في هذه الفترة للانتهاء من كتاب في سيرتي الشعرية والإنسانية أعمل عليه منذ فترة ليست قصيرة، وهناك مخطوطات عديدة جاهزة للنشر. والله وحده الذي يعلم ما الذي يمكن أن يتحقق من هذه المشاريع.

- هل ترى بأن الجائحة العالمية "كورونا" ستعمل على إعادة ترتيب أولويات المثقف العربي؟

ينبغي على المثقف العربي في هذه المرحلة الصعبة أن يحارب الوباء الثقافي، فهو أعمق وأخطر من الوباء البيولوجي، وأن يكون كالشمعة التي تحترق كي تضيء الطريق، وهو اليوم مطالبٌ بأن يعيش اللحظة العالمية بتغيراتها العميقة الحالية والمقبلة، وبأن يصغي إلى صوت العلم وصوت الضمير المعرفي، وأن يرسم صورة تحذيرية للكارثة، ويقدم رؤية واضحة لأخطارها، ويقترح أفكاراً للحد من آثارها، وهو مطالبٌ أيضاً، بإعادة ترتيب أولوياته بهدوء ووعي كافٍ، فهو لا يعيش خارج المكان، أو خارج حركية التاريخ، وليس من المعقول أن يفقد أولويات التفكير العقلاني في لحظة هو في أشد الحاجة إليها، وينبغي عليه اليوم في مثل هذا الظرف الطارئ العصيب، أن يُحسن السماع إلى أصوات الحكمة والعقل، بوعي وهدوء وبصيرة، وأن يكبت بنباهة وحرص شديدين رومنسيته وخطابه الحالم، وأن ينظر إلى هذه الكارثة بعين العقل والحكمة والتبصر والتحلي بروح المسؤولية، بعيداً عن التحيز والمغالاة والرؤى الإيديولوجية المغلقة، لأنّ المصائب إذا عمّت فلن ينجو منها غافل أو متغافل أو نبيه، ما دمنا نتقاسم الهواء نفسه، والسماء نفسها والتراب، خاصة وأن هذا الخطر الداهم لا يفرق بين البشر، ولا بين ألوانهم، ولا بين انتماءاتهم الدينية أو الفكرية أو العرقية أو الأيدولوجية.