عمان – غدير السعدي

لجأت لينا محمود، التي تقطن في محافظة إربد إلى إحدى وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية كي تتمكن من التواصل مع أسرتها وأشقائها الذين يقطن أحدهم في الولايات المتحدة الأميركية، وشقيقاتها اللواتي يقطن في عمان وإحداهن في المملكة العربية السعودية.

لينا، حالها حال العديد من الناس الذين صاروا يتواصلون مع أهلهم وذويهم وأحبائهم وأصدقائهم عبر وسائل التواصل الإجتماعي، يتبادلون الأحاديث ويطمئنون على بعضهم بعضا.

تقول لينا، في حديث إلى "الرأي"، أنها منذ فرض الحجر المنزلي وامتثالاً لقانون الدفاع وبسبب المسافة التي تفصلها عن أشقائها وشقيقاتها صارت تتواصل معهم عبر "الماسنجر"، "أراهم وأطمئن عليهم وأرى أطفالهم ونسهر يوميأ ونقضي ساعات في الأحاديث العائلية".

وتشير لينا، إلى انهم يطلقون على سهرتهم اليومية تسمية "تعليلة رمضان"، وأنها أصبحت "جزءاً من يومنا؛ نحتفل بأعياد الميلاد ونغني حتى ندخل الفرح إلى قلوب أطفال العائلة، ونشجعهم في ذات الوقت على الدراسة ونتبادل وصفات الطعام وطرائق عمل الحلويات".

يسهرون يومياً يبددون ألم البعد والفراق رغم اختلاف التوقيت بينها وبين شقيقها المغترب في أميركا، حيث وجدوا أنها افضل طريقة للتواصل فيما بينهم.

ويقول الشاب عرفات عوض (أبو كريم) أنه يسهر ويتعلل يوميا مع أهله الذين يقطنون في الأغوار الشمالية بينما يقطن هو وزوجته وابنه في العاصمة عمان بسبب طبيعة عمله في شركة خاصة، وانه لا يستطيع التواصل والاتصال معهم إلا من خلال تلك الوسائل الإلكترونية.

ويوضح أنه لم يكن يستخدم تلك الوسائل الإلكترونية قبل أزمة كورونا لأنه كان يزور أهله أسبوعياً ويطمئن عليهم ويرون ابنه ويلعبون معه.

أما الآن وبسبب ما فرضته تداعيات جائحة "كورونا" أصبح اللجوء إلى تلك الوسائل ضرورة وبسبب اوقات الفراغ الطويلة صاروا يتبادلون الأحاديث ويتناقشون في أدق التفاصيل.

واعتبر أن التعاليل كانت دومآ وسيلة للسهر مع الأقرباء والأصدقاء حتى ساعات متأخرة من الليل، خصوصا وان الوقت بين صلاتي العشاء والتراويح وحلول فترة الإمساك يصعب خلالها النوم؛ فيتبادلون خلالها الأحاديث ويتناقشون في مواضيع مختلفة.

الدكتورة ناديا حياصات، المختصة في علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية بجامعة اليرموك، ترى أنه في خضم الظروف الاجتماعية والنفسية الصعبة التي نحاول التعايش معها، ومع التزامنا بقواعد التباعد الجسماني والحجر الصحي في زمن الكورونا أصبحنا نتجرع مرارة البعد عن الأهل والأقارب والاصدقاء ونشعر بحرقة الجفاء الاجتماعي وبخاصة في هذه الأجواء المشحونة بالخوف والهلع من مستجدات وباء كورونا.

ولكنها تلفت إلى "أننا لم نستسلم لهذا البعد الواقعي الذي ضيق الخناق علينا ولم نرض بأن نكون أسرى للاخبار المحبطة والأفكار السلبية التي تسدل الستار على نهاية يومنا..".

وتعتقد الحياصات أن العالم الافتراضي "أوجد لنا متنفساً.. فأصبحت المنصات الاجتماعية من (التويتر والسكايب والزووم والماسنجر.. وغيرها من وسائل التواصل) أماكن نلتقي فيها ونجدد أواصر المحبة والألفة مع الأهل والأقارب والأصدقاء.. نتبادل أطراف الحديث ونستمع إلى بعضنا بعضا.. ونطمئن على أحوالهم ونقيم حفلات معهم ونعيش الأجواء الحميمة وكأننا بينهم.. ونستذكر الماضي ونعبر عن فرحتنا بالحاضر ونأمل برؤيتهم في المستقبل فتمتزج ضحكاتنا سويا ونملأ المكان بعبق أهازيجنا لتضفي علينا أجواء عذبة ومشاعر صادقة تنقلنا إلى دفء المكان فيتبدد الحزن والهم الذي كان ينتابنا ويجمعنا شعور بالرأفة والرحمة وطيب اللقاء".

وتعتبر حياصات أن الأجواء العائلية التي تجمع الناس عبر هذه الشاشات الصغيرة، أكانت الكومبيوترات أو الأجهزة الخلوية، "نثرت بذور المحبة والوئام وانعكست هذه الطاقة الإيجابية على تصرفاتنا وارتفع هرمون السعادة لدينا وجعلنا من هذا العالم الافتراضي واقعا اجتماعيا يظهر قدرتنا على التكيف مع مستجدات حياتنا بحيث تجاوزنا الظروف الراهنة وذللنا الصعوبات الاجتماعية التي تقف عائقاً أمام لقائنا مع أحبابنا وأرحامنا".

كما أن الحديث والتفاعل الاجتماعي "مع الأهل والأصدقاء والأقارب ومع من نحب يريح بالنا ويجلي الغم والهم عن نفوسنا ويزيل الكآبة عن وجوهنا وصدورنا ويزيد نسبة إفراز هرمون السعادة (السيروتونين) في أجسامنا ليزيد من قدرتنا على تحمل مشاق الحياة وكدر العيش ومجابهة الظروف الاجتماعية والنفسية الصعبة".