د.محمد حسين السماعنة

(ناقد أردني)


"يوسف في البئر" هو عنوان المجموعة القصصية الأولى للكاتب الأردني يوسف أبو صعيليك، التي صدرت بدعم من وزارة الثقافة الأردنية (2008). وضمت بين أحضانها خمس عشرة قصة، ومجموعة من الومضات القصصية جُمعت في أربع حزم هي: نفحات أندلسية، وخطايا، واغتراب, والقطار.

ولا يخيّب العنوان المتناص مع قصة يوسف عليه السلام توقعات القارئ منه، ولا يكسرها، ففيه قصدية الكاتب واضحة ليوحي بالألم والحزن والوجع ويشير إلى أن الألم مستمر، وأن الحزن متصل، وأن الخذلان واقع، لأن يوسف بمعاناته الفردية ما زال قابعا في سجنه بين جدران زنزانته بعد أن تآمر عليه من تآمر، وخذله من خذله، وأن وصاياه راحت أدراج الرياح.

لقد امتلأت قصص المجموعة بالحزن والخذلان، والبحث عن الحياة بعيدا عن الالتصاق بها جسديا والاحتكاك بواقعها المادي، وهذا نراه واضحا في قصة "وضّاح النسر"، القصة الأولى التي افتتح بها الكاتب مجموعته وبناها على فكرة انتصار الشر والحزن وتحكمهما بحياة المجتمع. حتى إن المعجم المستخدم في هذه القصة يوحي بتلك الحياة الصعبة والنهاية المؤلمة، إذ تنتشر في القصة المفردات التي توحي بذلك ومنها: الظمأ، الصحراء، الكثبان، الملح، العطش، الخوف، الجبن، الرعب، الوهم، الجنون، السراب.

أما عنوانات القصص فهي مستلّة من القصص نفسها، إما من ألفاظها أو من سردها أو من نهاياتها، أو من شخصيات أبطالها، لذا فهي مستلة من الأفكار التي بنيت عليها هذه القصص ولم تكن حلية زائدة عليها وإنما هي مشاركة فاعلة في رسم الفكرة إما في تلخيصها للأحداث أو وصفها لها أو تأكيدها.

ففي عنوان "انتحار رجل عادي" كان العنوان ملخصا لأحداث القصة. وفي قصة "هو المجنون" كانت شخصية (هو) مرتكز القصة. وفي قصة "فاتيما" كانت فاتيما هي محور القصة وشخصيتها الرئيسة.

ولا تجري أحداث القصص في هذه المجموعة كأحداث مستلة من الواقع، وإنما هي أحداث تلتف بالأفكار وتتوشح بها وذائبة فيها، فهي قصص تتشرب بالأفكار والعاطفة وتكثفهما في صورة حوار أو مونولوج أو سرد مزنر بالرمزية، لذلك فإن الحركة المادية الميكانيكة تكاد تكون معدومة في أكثر هذه القصص؛ لأن اعتماد الكاتب فيها كان على الحوار الروحي الذهني والصراع النفسي الداخلي والخارجي في فنتازيا فكرية عجيبة مكثفة فيها رمزية عالية حملتها لغة بسيطة ظهرت في بعض المواقف أضعف من الفكرة ومن صراع النفس، ومما تحمله عاطفة الكاتب من غضب عميق مما يحدث للأمة العربية وأرضها.

ففي قصة "الأحدب" نقرأ على لسان الغجرية: "لم تكتشف بعد من حولك، أنت ساذج فقط، ألم أقل لك من قبل: لم تزل طفلا صغيرا". وفي قصة الوهم نقرأ:

"عينك صارت وبالا علينا، ولا بد من قلعهما.

- بل مرآتك يا مولاي، ولئن قلعتا فقد أنذرتا".

وفيها أيضا: "وقادها خادم إلى خيمتها، ولم تنم الليل وناموا، ولم يصبح أحد سوى كائن واحد".

ولما كانت القصص في هذه المجموعة تذهب كلّها نحو الفكرة الرؤية وتصب في جدولها؛ فقد سار بناء القصص على أسس مناسبة لذلك، فهي في أكثرها مبنية على الحوار الداخلي أو الخارجي أو عليهما معا.

ويميل الحوار بنوعيه في هذه القصص إلى اللامعقول، فهو يتحدث بلغة اختارت مفرداتها بعناية لتناسب السرد العقلي وما فيها من عقلية فكرية وطروحات نظرية تصف الواقع وتتعامل معه بأسلوب الفكرة، فجأاءت مفردات لغة النصوص ذات طابع خيالي بعيد عن الشيئية؛ ففي قصة "وضاح النسر" حوار يبين من يريد الحياة ومن رضي بالذل والخوف والقلق:

"-كلنا يعاني من الظمأ.

– كلكم لا تريدون البحث عن الماء.

– عندما ضربنا الأقداح نهتنا عن البحث عن الماء... وهكذا قالت لنا الأزلام".

وفيها:

"الملح يحاصرني؟

قال المعلم : مدن السراب تسكنها الأفاعي، ليس هناك من ساكن آخر فيها سوى الأفاعي، سورها هو الوهم العظيم".

وفي قصة "الوهم":

"قالت الزرقاء: الجراد حولك.

- الجراد وهمٌ تحاولين زرعه في رؤسنا، وما أراك إلا قاضية على نفسك".

أما شخصيات القصص، فقد جاءت أفكارا وعواطف لا أجسادا، تحركها الحياة الحقيقية بما فيها من معاناة وكد وتعب حركة ليست طبيعية، فيها نبض فكري وحركة للأفكار والمواقف، لذلك كانت الحوارات خالية من أسماء المحاورين تنتقل فيها الفكرة وضدها كما تتناقل الأقدام الكرة في صراعات فكرية، وتعارضت فيها المواقف والآراء والأعمال وتضادت وتشابكت في حوارات ذهنية كالحوار الذي جرى بين شجرة الزيتون والغريب في قصة "السنديانة":

"قطبت الشجرة الكبيرة جبينها: غبار الوحشة يسكنك يا ولدي، غريب الدار أنت؟

- أنا السندباد العائد يا أمي، أما عرفتني؟

وصمتت الشجرة".

وفي قصة "المجنون" يقود الراوي الحوار ليقول إن الوجود الحقيقي ليس هو الوجود المادي: "لم يعد هو يحفل بتلك الكائنات التي تسير على سيقان طويلة وهي تراقبه بفضول شديد،.. لم يعد يحفل بوجودهم الذي أسموه وجودا كما كان يصرخ ذات يوم".

وفي "رقصة الضفادع" تقع الضفادع في قبضة اللهب واحدا واحدا أثناء رقصها على وقع الطبول، ويبتسم القمر، ثم يضحك وينقلب على ظهره من الضحك وهو يراقب مشهد احتراق الضفادع.

وتحقق الومضات في مجموعة "يوسف في البئر" شروط الكثافة والإيحاء والمطلع والخرجة اللطيفة، وهي لا تتعمد تأزيم الأحداث باتجاه عقدتها، بل إن أكثرها لا يعبأ بالعقدة وإنما تتراكم الأفكار والصراعات النفسية والفكرية والمواقف لتتوجها النهاية بجملة أو بصورة أو لوحة مشهدية، ولأنها قصص فكرية ذهنية نفسية، اتشحت أكثر قصص المجموعة بثوب من الغموض الذي قد يتكاثف أحيانا ليصل إلى باب الإبهام، ثم يرتد منه بسرعة ورقّة.

ولما كانت القصص في هذه المجموعة قد بنيت على تقنيتين أساسيتين: الحوار والمونولوج، فقد أفضى ذلك إلى أن تعنى بما يحدث في النفس من تحولات أكثر من اعتنائها بما يجري على الأرض من أحداث، وإن خرجت قصتان أو أكثر قليلا من هذه المجموعة من هذا الحضن.

لذلك فإن البحث عن الزمان والمكان في القصص قد يكون من غير فائدة في ظل بناء فكري فني مبني على الموقف، وذهاب بخطوات متوقعة إلى الفكرة، وهذا لا يعني أن المكان لم يكن حاضرا ولا أن الزمان كان ثابتا للا معنى وبلا فائدة من هذه القصص. فهما حاضران، ولكنهما كانا ركنان مسيران في الأفكار، ويغرقان في الأفعال، فقد جدد المكان في هذه القصص تحديدا مفاهيميا وروحيا أكثر منه جغرافيا طبوغرافيا.

وقاد الإلحاح على الفكرة إلى تدخل فني آخر مكانه نهايات القصص وخرجاتها، فأكثر النهايات قد حملت حزنا او نكوسا أو انكسارا عميقا أو غيابا أو فقدا أو موتا لتتمشى مع رؤية القصة التي فصلت لها، فقد انتهت قصة "وضاح" بموت بطل القصة من غير أي تأثير في حركة المجتمع أو حتى تغيير في مواقف أفراده، وتنتهي قصة "الحلم" بعويل (النهاية المفزعة)، وتنتهي قصة "أهل القلعة" بموت المستبد الظالم موتا طبيعيا، ومن غير أن تتغير طريقة حياة المجتمع: "عجب لنا، كيف كان انقيادنا لكل هذا الضعف الكامن فيك دون أن نكتشف الحقيقة، حقيقة الوهن؟".

وفي قصة "الأحدب" يهرب الأحدب إلى كهفه لتنتهي مع هروبه نظراته التحررية كلها ليتأقلم مع واقع مر يضيقه الويل والذل، وتنتهي قصة "يوسف في البئر" نهاية مأساوية حين يبتلع شق في البئر يوسف. وتنتهي قصة "الوهم" باقتلاع عيني الزرقاء للخلاص من تحذيراتها وإنذاراتها، وتنتهي قصة "السنديانة" بتوقف العمل من أجل الحياة: "ولما أرسلت الشمس بناتها إلى الحقل في الصباح لتغسل الأشجار اصطدمت بشجرتي سنديان ضخمتين"، وتنتهي قصة "انتحار رجل عادي" بما أخبر به العنوان، انتحار عبد الله الفران، وتنتهي قصة "الثابت الوحيد"بموت الفعل والعمل من غير نتائج على الأرض حين يلقي يوسف رأسه على الأرض.

وتنتهي قصة "فاتيما" بأن تركض فاتيما من غير هدف أو وجهة في الشوارع المظلمة التي ترتجف رعبا. وتنتهي قصة "رماد جسد" بازدياد الأفق ابتعادا، وعلو ضحك الصخور وبسماع صوت تهشّم عظام البطل. وتنتهي قصة "البائع" بتوارث حرمان الأطفال من طفولتهم توارثا عمليا وفكريا متتابعا متصلا لا أمل بانقطاعه.

ولا تحيد بقية نهايات قصص المجموعة كثيرا عن هذا الخط. فقد حمل عنوان "القطار" عبء إيحاءات الومضات القصصية في هذه المجموعة، فهي سريعة متصلة بنهايات مقلقة محزنة متعبة، ومع أن "بدرون" في جزء منها هو البطل الضحية إلا أن الفعل الحقيقي فيها هو للناحية الفنية لأنّ نهايات القصص كانت أساسها ومحورها، بل لعلي لا أذهب بعيدا إذا قلت إنها أخذت دور البطولة بسلبية ما تعرض، وما تشير إليه وما تبشر به؛ حتى إن ومضة "غفوة ديوجينوس" قد بنيت على أساس فني هو نهاية الومضة على "حين يعود ديوجينوس إلى النوم من جديد"، وومضة "العنيد" بدأت من النهاية، وفي نهاية ومضة "صخرة" قال الكاتب: "في النهاية كان ثمة صخرة تأكل روحها الزوابع". وكانت نهاية ومضة "غريب" سؤالا يلغي ما سبق قوله كله: "ومن أنت؟".

ويتكرر في المجموعة إلقاء الوصايا وفكرة الرؤيا وتفسيرها أو فكرة معرفة ما سيحدث في المستقبل، ففي قصة "الجفاف" هبّ الطبيب من حلم غريب ليؤكد ما رآه بمقولة من انقلاب الحال بسبب الظلم في الدولة بتقليب ضرع البقرة الجاف ليقول ويبيح للكاتب القول: "إذا ذهب العدل جف الضرع". وحملت قصة "الحلم" التي تناصت مع آيات القرآن الكريم التي تحدثت عن سيدنا يوسف حديثا عن الحلم امتد إلى أركان القصة كلها. وكان كفاح الأحدب في قصة "الأحدب" شرسا من أجل تحقيق رؤياه لكن تأويل رؤياه لم يتحقق". وفي قصة "يوسف في البئر" تناص مع قصة يوسف، وفيها حديث عن رؤيا الملك: "أفتني في نجم هوى من السماء إلى قيعان مجهولة".

أما الراوي في هذه المجموعة فقد كان جزءا من القصص وبطلا من أبطلها، وتدخل بلغته في طريقة تعامل الشخوص مع الأفكار.