طارق قديس

طنينٌ لا يتوقّف عن التّدفّق في أذنيه، صداعٌ يعصف في رأسه، أحسّ بجسده ثقيلاً كالحجر لا يقوى على الحراك، قاوم حالة الخمول الكامل في قدميه حتى تمكّن من الجلوس على طرف السّرير، نظر إلى الشّرفة، الشّمس ساطعةٌ في الخارج، يبدو أنّ النّهار قد انتصف، هذا ما قاله في عقله وهو يحاول أن يفهم سرّ الإعياء المفاجئ في بدنه.

بتثاقلٍ خرج من الغرفة، تفحّص ساعة الحائط، إنّها الواحدة ظهراً. دهش لوجود والده في المنزل يشاهد التلفزيون، فألقى عليه التّحيّة وسأله عن سرّ وجوده في تلك الساعة من النّهار في البيت وليس في مكتبه في الوزارة حيث يعمل. ازدادت الدّهشة عندما ردّ عليه قائلاً: "أيّ عملٍ تقصد؟ أنا لا أعمل، والدتك هي من يعمل. أنت غريب الأطوار اليوم". فأمّه لم تعمل في حياتها قط، وعالمها هو جدران المنزل وسقفه.

لم يلبث الوالد أن دخل المطبخ. أخذ يجلي، ويقطّع الخضار، ويفرم اللّحم، كأنّه قد تقمّص شخصيّة الزوجة. لم يلبث أن انتهى من الطّبيخ، وطفق ينشر البخور في الغرف.

إنّ أباه بعمره لم يتقبّل البخور. كان يتشاجر مع أمّه كلّما تسلّلت رائحة الصندل واللافندر إلى أنفه. استوقفه، تساءل عن سبب تغيّره الغريب، فأجاب بأنّه يفعل ذلك لأجل زوجته، فهذه أوامر عليا تقضي بأن يقوم الأزواج بتبخير المنزل تقديراً لزوجاتهنّ العاملات.

ظنّ نفسه يحلم، قرص أذنه. إنّه يقظ. لفت انتباهه إعلانٌ في نشرة الأخبار، البرلمان اجتمع للبتّ في قضيّة النيزك الذي ضرب الأرض وسقط في البحر الأبيض المتوسط. البرلمان كلّه نساء، عدا نفرٍ زهيدٍ من الرجال فيه. لقد دبّت الأنوثة في أروقته فجأةً، حتى إنّ الرّئيس ذا السّبغة السوداء على شعره لم يعد موجوداً.

مسح وجهه بكفّه. قام وارتدى ثيابه سريعاً كي يخرج. حاول أبوه أن يثنيه عن الخروج، لكنّه لم ينصت له ولم يترك له فرصةً للشّرح، فمضى إلى سبيله وخرج. بحث عن حارس العقار، لم يجده، وجد في غرفته امرأةً في جلبابٍ طويل، عرف من حديثه معها أنها هي من يحرس العقار الآن! تركها ونزل إلى الشارع، مشى فيه إلى آخره. دخل عدداً من الدّكاكين. مرّ على محطات البنزين، صعقه المشهد من حوله: عمّال النظافة، المتسوّلون، أصحاب الحنلّات والأكشاك، بائعو الخضار، سائقو الحافلات وسيارات التاكسي، والشّرطة، كلّهم نساء. لم يعثر على رجلٍ واحدٍ بينهم. حتى عناوين الصحف تتحدّث عن اجتماع عاجلٍ لرئيسات الدول في الجوار. "عن أيّ رئيسات يتحدّثون؟ أين اختفى الحكّام الرّجال؟ ماذا حصل في العالم؟"، سأل نفسه. إنّه لا يحلم.

تمعّن في بائعة الجرائد الواقفة في الكشك، ثم نزل ببصره إلى الكتب المرصوفة أمام كشك الجرائد شيئاً فشيئاً، جلّها عناوين عن النّهضة النّسويّة وارتقاء المرأة والتّقدّم المجتمعي في ظل الحكم النّسوي،. تحرّر من دهشته لثوانٍ، وسأل البائعة: "هل كتاب (تحرير المرأة) لقاسم أمين موجود؟". لم يعرف لماذا سأل عن هذا الكتاب بالتحديد، لكن ما عرفه أن الإجابة جاءت بنفيٍ وإيجاز. "لا. إنّه كتاب قديم وقد تجاوزه الزّمن". لوى شفتيه، فكّر للحظةٍ ثمّ تناول الصّحيفة، تفحّص التاريخ ثم نظر في ساعة يده، تاريخ الصّحيفة يزيد بشهرٍ عن التاريخ الظاهر في ساعة اليد. "شهرٌ كاملٌ ؟ هل تراني نمت طيلة هذه المدّة؟"، قال هذا وجلس على الرّصيف حائراً، يفتّش في ذاكرته عن لحظاته الأخيرة قبل الدّخول في السّبات.

عصر رأسه لعلّه يفرز شيئاً يفكّ حالة الالتباس تلك. تذكّر أنه في مساء ذلك اليوم شرب سيجارةً ملغومةً بالحشيش جعلته عامراً بالنّشوة والخفّة كأنّه ريشةٌ تتقاذفها الرّياح. ابتسم قليلاً ثم عاد للوجوم. طرد الفكرة من رأسه لاستحالتها، فهو لم يقع تحت تأثير المخدّر لمدة طويلة آنذاك. فكّر ثانيةً، رجع إلى احتمال الحلم من جديد، ربما ما زال يحلم، ولكنه حلم طويل بعض الشيء، إلا أنّه سرعان ما بدّد هذا الاحتمال أيضاً عندما طلب من إحدى النسوة في الشارع أن تصفعه صفعةً قويّة على وجهه، فلم تلبّ الأولى رغبته والدّهشة تأكل وجهها، ولا الثانية، ولا حتى الخامسة، إنّما السادسة هي من صفعته على خدّه بعد إلحاحٍ شديد منه. كانت النّتيجة كدمةً في الخد، جرحاً في الفم، سيلاناً من الدم، تبعه سقوطٌ على الأرض، تمّ على إثره نقله إلى المستشفى العمومي للعلاج.

تمّت معالجته بسرعة، لاحظ أن الكوادر من النّساء فقط: طبيبات، ممرّضات، موظّفات استقبالٍ، وإداريّات، عدا ساعٍ وحيد كان يتجوّل في الممرات حاملاً المبخرة، بينما رائحة البخور تلف المكان بأمرٍ من الإدارة. أصبح المشهد مألوفاً، نساءٌ في كلّ اتجاه وبخورٌ يكرّس حضور المرأة.

في غضون ساعتين تم إخراجه ونقله إلى مصحّ الأمراض العقلية، فالمرأة السادسة حرّرت ضدّه شكوى تشكّك فيها بسلامته العقلية، فضلاً عن خرقه حالة حظر التّجوّل المفروضة على الرجال بين الساعة الثانية عشرة ظهراً والسادسة مساءً، وهو ما لم يترك لوالده مجالاً أن يوضّحه.

في المصحّ الوضع مختلف، الأطبّاء من الجنس اللطيف، والنّزلاء من الرجال. المرضى من الجنس الخشن فقط. هناك خضع للفحص المشدّد، صرخ في وجه إحدى الطّبيبات، أنكر ما ألصق به من جنونٍ وهياج. مدّ يده إلى جيبه، بحث عن الهاتف النّقال، أراد الاتصال بوالده، فلم يجده. تذكّر أنه غادر المنزل دون أن يحمله معه. عندئذٍ باغتوه وجرّوه إلى قاعة العلاج بالكهرباء، مدّدوه على السّرير، قيّدوه بإحكام، وأخضعوه إلى جلسة كهرباء من العيار الثّقيل، ثم ألقوه إلى سريره في غرفة المرضى.

في غرفته نزلاء كثر. هذا ما رسخ في ذهنه عندما فتح عينيه آخذاً بعدّ الأسرّة. في البداية تملّكه العنف والرّفض والصّراخ، وتحاشى الحديث مع الآخرين، إلا أنه مع بزوغ صباح اليوم الثاني بدأ في الحديث معهم تدريجيّاً، إلا واحداً فقط، أحسّ أن هذا المريض الصامت يكتم في عينيه سرّاً ما. أخذ بالتّقرّب منه، سأله أسئلة كثيرةً، لكنها ظلّت بلا أجوبة، لم ينطق حرفاً. الحديث دائماً كان باتجاهٍ واحد، حتى ظنّ أنّه أخرس لولا جملةٌ انزلقت من فمه سهواً عندما ألحّ الممرّض عليه بضرورة الوجود في قاعة الطّعام ثلاث مرّات "أغرب عن وجهي"، عندها شعر بالاطمئنان، وثبت أن ظنّه لا محلّ له من الإعراب.

في اليوم التالي شاهد ذاك النّزيل منزوياً محني الظّهر في ركنٍ قصي من الغرفة. اقترب منه، اقترب أكثر حتى رآه منغمساً في قراءة أحد الكتب. قفز مذعوراً عن السّرير مخبّئاً الكتاب وراء ظهره عندما أحسّ بوجود متلصّصٍ وراءه. اجتهد في بعث الطمأنينة في قلبه، حاول طويلاً حتى أفلح واطمأنّ له، أطلعه على الكتاب، العنوان ملفت "تحرير الرّجل"، ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ عفويّة، استهجن ابتسامه وأكّد له أنّ الكتاب خطيرٌ ومحظور، وأنّ لديه الكثير من الكتب المهرّبة عن واقع الظلم المجتمعي والقهر الجنسي للرّجل في ظلّ التّفوّق النسوي وحقوق الرّجل المهدورة.

أحسّ لوهلةٍ أنه في عالمٍ آخر، كأنه شخصٌ خارج التاريخ، منزوع الهويّة. راوده عن قلقه، فتح له قلبه، شعر أنه الشّخص الوحيد الذي يملك الإجابات على أسئلته ويفسّر له ما حصل، وكيف أمكن للأنثى الرقيقة أن تكون بهذه القسوة والتّسلّط. عيناه تفضحانه وتبوحان بما يمتلك من قوّةٍ وثبات واتزان.

في خضمّ الحديث سأله عن سبب وجوده في المصح، فأخبره أنّه معارض سياسي، يناضل ضدّ دكتاتوريّة المرأة، وأنّ مثله الكثيرون، منهم من تم توزيعهم على المصحّات العقليّة، ومنهم من زُجّ بهم في المعتقلات والسّجون، ومنهم من ووروا الثرى. أما الرّجال الصالحون فمنهم من لزم المنزل متوارياً عن الأنظار، ومنهم من نزل إلى سوق العمل ليرى أرذل الأعمال بانتظاره.

"الآن تأكّدّت أنني أحلم، أو ربما ما زلت تحت تأثير السيجارة الملغومة"، قال بصوتٍ خفيض، وأخبره أنه منذ أيامٍ كان المجتمع ذكوريّاً، والرّجال هم من يقود دفّة العالم كلّه. حكّ رأسه وقال بنبرة المتردّد: "أذكر أني قرأت شيئاً كهذا في كتب التاريخ القديم".

صمت حيناً ثمّ استرسل قائلاً: "هناك أسطورةٌ تقول بأن نساء العالم أضربن في يومٍ واحد، وقرّرن الامتناع عن التواصل مع الرّجال، فلم يمض أسبوعٌ إلا وتسلّطت المرأة على الرجل، لكنّها تبقى مجرّد أسطورة".

أدار ما سمع من كلامٍ في عقله. لم يهضمه. شعر بمرارةٍ في حلقه، فرجع إلى سريره. رجع إلى الوحدة من جديد، انزوى في زاوية الغرفة وظلال اليأس بدأت تدبّ في عروقه وقد أقنع نفسه أنّه يحلم، لكنّه حلمٌ أطول من الأحلام المعهودة.

في المساء اشتدّ وقع اليأس في صدره، أقنع ذاته بأنّ الحلّ يكمن في الانتحار، فالانتحار سيرغم الجسد البغيض كي ينهض من خموله ويعود للتّصالح مع الحياة مرّةً أخرى.

تسلّل إلى المطبخ، كان صوت التلفزيون يصدح في الهواء، أمسك بسكّينٍ حادة، نظر إليها بحزم، تأكّد من خلوّ المكان وهمّ بقطع شريان يده اليسرى. استوقفه خبرٌ مرّ على شاشة التلفاز على الجدار المقابل: " وزيرة الصّحة تعلن ثبوت تأثّر البلاد بإشعاعات النيزك الوافد إلى الأرض بعد مرور شهرٍ على سقوطه في مياه المتوسّط، تأثّرٌ طال الحيوانات والبشر وربّما النّباتات، وذلك بعد أن تمّ التّحفّظ على عددٍ من المختلين عقليّاً في الشوارع يدّعون أنهم عاشوا في زمنٍ كان يحكمه الرّجال".

عندها سقطت السّكين من يده، وأطلق ضحكةً مدوّيةً سرعان ما كتمها بكفّه وقد تيقّن أن النّيزك اللّعين هو السّبب. كما تيقّن في ذات الوقت أنّ الصّمت من ذهب، وعليه أن يكمّم أسئلته من الآن وصاعداً حتى لا يعلم أحدٌ أنّه واحدٌ من أؤلئك المختلّين كما وصفوهم في نشرة الأخبار.

في التّوّ خرج من المطبخ، ومضى إلى قاعة الطّعام، وبدأ بتناول العشاء مع باقي النّزلاء، بينما فوجٌ من الأسئلة أخذ بالتّدفّق إلى رأسه عن الخطوة المقبلة في حياته بعد أن توضّحت الأمور في نهاية المطاف.