رانيا مسعود

تتداعى على العقول كثيراً تساؤلات من أهمها هذا السؤال المطروح ليل نهار، في محاولة للبحث عن أسبابٍ حقيقيَّة نلتمسُ بها أعذاراً لعدم منح جائزة نوبل للمبدعين كتابيّاً على مستوى الوطن العربي، وقد تضاعفت أعدادُهم بالمناسبة حتى أحصينا لكل مجموعة من الأفرادِ روائيّاً وشاعراً وقاصّاً، ولكننا لم نلحظ تطوراً بنّاءً يمكننا أن نضع به أيدينا على الجرح الذي لا تداويه الكثرة في العدد، بل والجودة حتى في المنتج الأدبي في كثيرٍ من الأحيان.

ولهذا أستدعي في ذهني مقترحاً من أحد الأكاديميين الذي نصحني بالابتعاد عن التقديم للجوائز لأسبابٍ على رأسها أنها لا تُعطى في الغالب لمستحقيها، وإن أُعطِيَت فإن هناك من بين المتقدمين مَن هم أجدر بالفوز منهم، إلا أن التحكيم لا يتخيَّرهم لأسبابٍ متعددة، وعليه فإننا ينبغي أن لا نهدر طاقاتنا كشباب في التقديم لمثل هذه النوعية من الجوائز حتى وإن احتجنا إلى تقدير معنويٍّ، لا مادي فقط!

وعودة إلى نجيب محفوظ.. كان فوزه بنوبل نتيجة لكفاح استمر سنوات طويلة قدم من خلاله روايات تعكسُ الحياة المصرية وتقدمها في واقعيتها خالصةً للجميع، حتى تُرجِمَت رواياته إلى لغاتٍ متعددة نال بها شهرته العالمية. ولكن السؤال الملح: هل كان فوز محفوظ راجعاً لثلاثيته التي أبرز من خلالها دور الأب المتسلط والمنفلت أخلاقيّاً في أسرة ظهرت فيها المرأة بصورتها الهزيلة الضعيفة، وهو الوجه الذي رسمه الغربيون للمرأة في الشرق لدهور، حتى إنها إلى الآن لم تتخلص من هذه النظرة المتدنية لها التي يُصدِّرُها العالم كحقيقة برزت من خلال هذه الأعمال الروائية، ولم تفلح محاولات متعددة في إزالتها وحجبها عن الرؤية العالمية، وإن كانت المرأة العربية المسلمة تتصدر قوائم المنجزات في بعض الدول الغربية شريطة هجرانها لبيئتها المحبطة لقراراتها الناجحة؟ هل ما زالت العنجهية العربية تصدر للجميع أن الاغروراق في المحلية هو السبيل للوصول إلى العالمية بادعاء أن تلك الروايات كانت لمحفوظ سبيلاً للعالمية فقط باختراقها الواقعية المصرية؟

إن الواقع الثقافي الحالي يُجيب عن كثيرٍ من تساؤلات عدم الحصول على نوبل في الأدب العربي بعد محفوظ؛ ومن ذلك ما لا يخفى على أحد من تنافسات غير شريفة تُرسخها بقوة في الواقع الثقافي مبادئ "الشللية الثقافية" والتجمعات الأدبية المنحازة لشخصياتٍ بعينها، حتى باتت تلك الشخصيات من العلامات البارزة في المنتديات واللقاءات الفكرية والأدبية وكأنها موصوفة ومرصودة لتُطرح على المائدة الثقافية وتتصدر القوائم المحلية والعالمية، مما يسبب انهيار مبادئ تكافؤ الفرص.

يضاف إلى هذا ما أصيب به المشهد الثقافي من محاولات توريثية واضحة لبعض أبناء المبدعين الراحلين، حتى دون وجود أدنى تشابه في معايير الكتابة الأدبية بين الأبناء والآباء، بل على العكس، فقد رُصدت عن هذه المحاولات التوريثية مجاملاتٌ واضحة تسببت في انعدام الرؤية لإبداعٍ حقيقيّ، بل وانهيار اللغة والفكر تماماً حتى انتهينا إلى عمليات السطو العلني على إبداعات المؤلفين الصريحة بغية المغالاة في المجاملات وزيادة قدر الإحباطات الممارَسة على الشباب من المبدعين والتي أودت بالحياة الثقافية وخلخلت نتاجها وأعاقت مسيرتها عن الوصول مرة أخرى للعالمية.

لقد واجهتُ بعضَ أبناء الأروقة الثقافية ذات مرة بعد ثورة 25 يناير 2011 بأن الشباب لا يأخذون حقهم في الظهور بسبب تراجع الهيئات والمؤسسات الثقافية الحكومية عن النشر لهم، ولو أننا أخذنا في اعتبارنا العمر الذي حصل فيه محفوظ على نوبل مقارنةً بمنتج الشباب الثقافي في الأعوام العشرة الأخيرة لقلنا إن شبابنا في طريقه إلى نوبل إلا في وجود من يعيقونه ويعرقلون وصولهم إليها. وبالطبع فإن قضايا المجاملات والتوريث واضحة ولم تعد تخفى على الغرب أيضاً، حتى إن إلغاء "نوبل" في عام 2018 قد يكون بسبب ما اعترته أحداثنا الثقافية من شوائب وروائح فساد قد أزكمت بالفعل أنوف المحكمين الدوليين، وصارت عوامل ومعايير الفساد في تصعيد نجم بعض الأدباء على حساب البعض الآخر واضحةً جليَّة تشين الحالة الثقافية التي لم نعد نراها في تقدم وحراك حقيقي على الرغم مما قد تشير إليه بعض الدلائل من وجود نية لتعافي الوسط الثقافي من عيوبه.

عودة إلى الحديث عن الجوائز والتي سحبت الرأسمالية العربية بها الأدباء والمفكرين إلى بساط الخليج بعيداً عن الشمال الإفريقي وتحديداً مصر. وفي هذا أيضاً يتدخل ما يعتري الأوساط الثقافية من معايب المجاملات والوساطات والتوريث، ويكفي ذكر أن بعض الفائزين في الجوائز العربية قد حصلوا عليها لإرضائهم بعضَ المحكمين، وأن هناك من لا يستحق ممن تصدروا القوائم القصيرة في جوائز معروفة لكنهم تميزوا بحسن معاملاتهم وموالاتهم للنقاد والمحكمين في جوائز ذات قيم مادية مرتفعة، في مقابل أن آخرين لم يفوزوا بسبب العلاقات السيئة بينهم وبين النقاد والمحكمين فيها.

وهنا نشير إلى مبدأ استبعاد المعايير الفنية الأدبية التي يرتقي بها العمل إلى مبدأ السطو بالعلاقات على ما لا يُستحَق السطو عليه من مكانة أدبية بل ومادية أيضاً. ويثير هذا تساؤلاً آخر عمّا إذا كانت لجان التحكيم في الجوائز الثقافية العربية تستحق ما تستحقه كثير من المبارايات الرياضية -وأكثرها ذيوعاً كرة القدم- من تحكيمِ جهاتٍ أجنبية محايدة تتسم بالموضوعية والنزاهة في الحكم.

وتثيرُ الوقائع الحالة الثقافية المتردية التي وصلنا إليها، حيث لا توازن إطلاقاً في حصول الكاتبات على الجوائز على الرغم من تميزهن، في مقابل تصدُّر الرجل لقوائم الفائزين والحاصدين للجوائز. وحالُ المرأة العربية التي لم تشغل إلى الآن أيّ حيز في حصولها على جائزة عالمية في الأدب إذا ما قورنت بأديبات عالميات وصلنَ بمنتهى السهولة إلى العالمية وحُزن جوائزها، هو الأسوأ على الإطلاق. ولا نتوقع من عالمنا العربي إفراز أديبات مثل "جراتسيا ديليدا" وغيرها في ظل واقع ذكوري يفرضه المتصدرون لممارسة العملية الثقافية في الوطن العربي بفرض قيود على أفكار المرأة التي تطرحها في أعمالها، حتى إن بعض الأديبات يُهدَّدنَ بخراب بيوتهن إذا ما تناول ناقد أعمالهن بقراءة قد تخلق لهن مشكلات عائلية في مجتمعات لا تتوقف عن التلسين بسوء أخلاقيات الكاتبات إذا ما عرضنَ ما لا يتفق وموازين الحكم للرجال.

إن التعتيم على المنتج الثقافي النسوي للكتابة النسوية في الوطن العربي، ومحاولة تجاهله، من أشد ما تعانيه المرأة العربية من مشكلات في الحياة الثقافية، وهو ما يخلق مناخاً غير متكافئ على مستويات متعددة، تقلل من قيمة وجود المرأة العربية على خرائط المبدعات عالميّاً، ومهما بلغنا في التقدم التكنولوجي في الوصول إلى القراء في وجود حالة ضبابية لتجهيل متعمد لشباب الوطن العربي، فإننا لا نصل بأصواتنا -ككاتبات عربيات- إلى ما تصل إليه الكاتبات الغربيات.