أيمن المناصير

(كاتب أردني)

ضغط على علبة "الهايجين"، فرك يديه جيدا وخلّل المادة المعقّمة بين أصابعه، ثم خلد للنوم، حاول غير مرّة أن يُقنع جفنيه بنعاسٍ هدّ جسمه، لكنّ ذاك الضمير الذي استيقظ فجأة ونبت في عقله يمنع عنه النوم ولذته، فقد أحاط به الأرق وسيطر عليه. شريط من الصور يمرّ سريعاً أمام مخيلته، صوت داخليّ يُلحّ عليه ويقضّ مضجعه: "طهِّر قلبك قبل أن تطهّر يديك".

انتفض من فراشه فزعاً، كأنّ أفعى لدغته، حاول أن يصرف عنه التّفكير الذي أحاط عقله وشلّ تفكيره، لقد أدّى عمله اليوم على أكمل وجه، ولم يترك مكتبه إلا بعد أن حان موعد انتهاء الدوام، أجال فكره في أقاصي عقله باحثاً عن خطأ يُشعره بالخجل، فهو قد أقلع عن كل ما كان يفعله قبل أن يأتي هذا الوباء اللعين، منذ يومين، منذ أن اشترى (الهايجين) قرّر أن يمسح كل الموبقات من سجلات حياته، لقد قرر أن يزيل بقع السواد التي كانت تملأ قلبه، ولولا أن الدولة منعت التجمعات وأغلقت المساجد ودور العبادة لعاش سنوات عمره المتبقية عابدا متبتلا، ليغدو مصباحاً من مصابيح بيوت الله، أو حمامة تبني عشها في مئذنة لتهدأ وتستريح.

عصرَ ذاكرته مرارا باحثا عمّا يؤرقه، حاول أن يتذكّر موقفا ولو صغيرا، لكن دون جدوى، قال في نفسه: "صحيح، لقد دفعت ذلك العجوز عندما أراد أن يلتقط ربطة الخبز، لكن، ألم يعلم ذلك (الشايب) بأنّني دخلت هذا الزحام، بل هذه المعركة؛ من أجل أن أحظى بهذه الأرغفة التي توزّعها علينا الحكومة في هذه الفترة العصيبة، إنني أريد أن أعزّز مخزون البيت الاستراتيجي من هذه السلعة، التي أصبحت نادرة هذه الأيام؟ ألم يعلم بأنّ لديّ عائلة كالجراد، لا تُبقي شيئاً ولا تذر؟ كيف له أن يعتدي على مكاني ومكانتي ومنزلتي بين الناس؟ كيف سوّلت له نفسه أن يمدّ يديه إلى حاجتي؟".

أُعجب بهذه التساؤلات التي تدفع عنه التّهمة، وتعيده رجلا صالحاً نقياً طاهراً، لا تشوبه شائبة، ولا تعكر صفو ضميره الطافح بالإيمان، ضميره الذي استيقظ للتوّ بعد سبات طويل، لقد نسيه طيلة تلك السنوات الماضية، همس بصوت خفيض: "لكن لا بأس، ما المشكلة في أن يصحح الإنسان مساره؟".

لذلك، لا بد أن يحافظ على يقينه الذي لا يهتزّ، وإيمانه الذي بدأ ينمو ويتطوّر، فقد سمع خطبة الجمعة المتلفزة مرتين، وحرص على تنظيف جهاز هاتفه من كل ما يبدو خادشاً للحياء، وحمّل بعض الأدعية والمأثورات التي سيعوّد لسانه على ترديدها، وسيغفر لنفسه تلك اللعنة التي أسقطها على رؤوس فتية كانوا ينظمون الدّور في ذلك الدكان المزدحم، فهو لا يطيق الوقوف في هذا الجو الذي يعج بالمتسوقين، لقد سمع نداءات الدولة المتكررة "خلّيك بالبيت"، وهو ملتزم تمام الالتزام بطاعة ولي الأمر، ولم يخرج إلا للضرورة القصوى حتى يؤمّن بيته بكل ما يحتاجه من أشياء ومستلزمات ضرورية وبعض ألعاب للأطفال وقليل من ألعاب الفيديو، ولن ينسى المكسّرات، فلا شك أن الأيام ستكون عصيبة ومملّة.

أعاد استرجاع بعض الصّور التي مرّت في خاطره وما فعله في ذلك اليوم، أراد أن يخلّص نفسه من كل الأدران التي قد تلوّث نقاء ثوبه، يريده أبيض ناصعاً كبياض قلبه، لم يُنغّص عليه ذلك اليوم إلا ذاك المراهق المستهتر، الذي مارس عليه دور المعلم وطلب منه ارتداء القفازات والكمّام المخصص، فما بقي إلا ممعوط الذنب كي يعلّمنا ما يجب فعله! لعله سيتذكر تلك الصفعة التي ذاقها، وسيعلم كيف يجب عليه أن يتعامل مع الكبار.

رغم كل المحاولات التي حاول بها تعزيز ضميره إلا أنه لم ينم، أثار قلقُه زوجَتَه الغارقة في نومها، فركت عينيها وقالت: "أريد أن أغمض جفني، فأنا أعمل كثور الساقية في هذا البيت، لا أحد يعبأ بي، ولا أحد يهتم لحالي"، ثم دست رأسها تحت الغطاء، متحاشية كلاماً -تعوّدت عليه- سيتطاير فوق رأسها بلا شك.

قال بغضب: "هذه جمل النساء المكرورة، فأنا لا أعمل ولا أتعب أيضا"، وبدأ سيل الشتائم الجارحة يتدفق من فيه، كأنه سيل جارف قرر أن يتقيأ كل ما فيه دفعة واحدة.

خرج إلى غرفة الجلوس متأففاً غاضباً، لاعناً الساعة التي أقعدته في هذا السجن الكئيب، استند إلى المقعد وأراح عليه جسده المُنهك، تناول رشفة قهوة كانت عالقة في قعر الفنجان، ثم أدار أزرار التلفاز محاولاً تمضية الوقت حتى الصباح. استقر نظره على نشرة الأخبار، بدأ المذيع وكأنّه يتلو أحجية مليئة بالطلاسم، حاول أن يصيخ السمع أكثر، بدا مرتعشاً، سقط جهاز التحكم من بين يديه عندما شاهد المذيع يجري لقاء حول أحدث الحالات المصابة بهذا الوباء القاتل، حدّق بالشاشة، نظر إلى الممدد على سريره، راقب أنفاسه المتصاعدة تحت جهاز التنفس الاصطناعي، رأى جثة عاجزة لا تقوى على التقاط أنفاسها المتعثرة، اقترب من التلفاز، دقق النظر، فرك عينيه أكثر من مرة، كي يصدّق ما يرى.

لم يتمالك نفسه، جثا على ركبتيه وعضّ على أصابعه ندماً، ضرب وجهه بكلتا يديه، واحمرّت عيناه وغافلتهما دمعة تجمّعت للتو في محجريه، أيقن أن ما يراه حقيقة لا شك فيها، لم يكذّب نظره هذه المرة، إنه ذلك الرجل العجوز في الدكان المزدحم، قال في نفسه: "ليتني ما اقتربت منه، ماذا فعلت؟ ماذا جنيت؟ حتى أكون....".

لم يستطع أن يكمل كلامه، خانه لسانه أو ربما تعثرت الكلمات في جوفه. هنا، ارتجفت يداه، وملأ الذعر قلبه، ثم هرع إلى علبة "الهايجين" يعصر ما في قلبها من عصارة تقي ضميرَه الألم.