د. بهيجة مصري إدلبي



إذا كانت الرواية تاريخ من لا تاريخ لهم وفقاً لعبد الرحمن منيف، فإن رواية "قيامة البتول الأخيرة" باستجابتها لهذه المقولة بكل معانيها وفضاءاتها لا تكتب تاريخ المنسيين والمتروكين على هامش الحياة فحسب، وإنما تكتب تاريخ مَن اغتالت الحرب تاريخهم، ووجودهم وكينونتهم وأحلامهم، ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، فانكسرت الروح وانمحت الذاكرة، ففي الحرب كلما اتسعت ذاكرة الموت ضاقت هوامش الحياة.

ورغم الأهمية الكبيرة لموضوع الرواية، إلا أن أهمية الموضوع لم تعد هي الرهان الأكبر أمام الدرس النقدي المعاصر، لذلك لن تكون قراءتي لرواية "قيامة البتول الأخيرة" لزياد كمال حمامي قراءة في الفكرة والموضوع بقدر ما ستكون قراءة في الرؤية الفنية التي ترتهن إلى إشارات النص عبر مناصاته المختلفة (العنوان، الإهداء، الاستهلال... الخ).

• العنوان

يضعنا عنوان "قيامة البتول الأخيرة.. الأناشيد السرية" منذ البداية أمام حمولته الدلالية الاستباقية، ما يضع القارئ أمام فجوة الانتظار والترقب وهو يواجه حشدا من الأسئلة التي يطرحها عليه هذا العنوان، وبالتالي يضع الحكاية في مختبر الكشف والتأويل بارتهانها إلى الواقع من جهة وإلى الفن والخيال من جهة ثانية.

تأخذنا المفردة الأولى (قيامة) إلى مفردة الموت التي تسبق القيامة، لينهض السؤال الأول حول موت البتول وقيامتها:

من كان وراء موت البتول؟ وما الدوافع التي كانت وراء هذا الموت؟ كل ذلك وغيره من الأسئلة التي يحرضها هذا الاستباق، يواجه القارئ قبل أن يدخل إلى النص بحثاً عن الإجابات، ما يوسع فجوة الانتظار والترقب لديه، ويحرض في داخله متعة القراءة للبحث والكشف والتأويل.

وهنا يمكننا التوقف عند العنوان في المقام الأول، وهو الحمولة الواقعية التي تمثلها (البتول) والتي يفردها النص أمام القارئ، الذي يكتشف من البداية محورية شخصية البتول وإيقاعيتها الضابطة للأحداث والشخصيات والتحولات في الواقع النص.

فهي أجمل فتاة في الحارة، تحلم بوطن مسوَّر بالورد، لكن الواقع الذي فرضته الحرب على بلدها وعلى الحارة اغتال حلمها، بل اغتال براءتها المغتصبة، فاختارت الموت الذي حولها إلى أسطورة في الذاكرة الشعبية، كما حول حلمها إلى كينونة في أحلام الآخرين المتروكين على هامش الحياة وهامش الوجود، بحثا عن وطن معافى من الحرب والموت.

بهذا المعنى تدخل شخصية البتول في هيئتها الأسطورية، بحمولة دلالية ورمزية أرادها المؤلف، ما جعلها موضوعا ضاغطا على رؤية المؤلف، كما هو ضاغط على محورية القصة والحكاية في النص الروائي، وذلك عبر تكرار الاسم والقصة وعبر الظهور الأسطوري في مواقع مختلفة من سير الحكاية وتحولات النص، وكأن موتها كان تخصيبا لطاقة الحياة في ذاكرة الجميع، سواء عبر ترائيها خيالا أو عبر تجسدها بهيئة حمامة بيضاء تحلق فوق المتحف في نهاية الرواية في لحظة مقتل "عبد السلام"، وكأنها استغرقت في حمولتها الدلالية ورمزيتها كحارسة للوطن وحارسة للتاريخ والحاضر بل وللمستقبل، لذلك كان العنوان مستغرقا في النص السردي، ومستغرقا في الحكايات المختلفة، كما هو مستغرق في الرؤية التي تنهض على أساسها الرواية، وهذا ما يفسر تكرار العنوان في بداية الفصول الأربعة للرواية وذلك ترسيخا للحكاية في ذاكرة المتلقي عبر تكرار الاسم والحكاية وعبر تكرار العنوان كتشكيل بصري في بداية كل فصل.

أما المقام الثاني فهو الحمولة الرمزية والدلالية التي يشير إليها هذا العنوان بالربط بين البتول والحرية وبينها وبين حلب وبين سوريا، إلا أننا ورغم الإشارة الواضحة إلى هذه الحمولة الدلالية لا نريد أن نضع العنوان في أي مختبر يضيق معناه، ليكون مكتفيا بدلالته الإنسانية ودلالته التي تشير إلى كينونة الكائن

ولعل هذا ما جعل العنوان نصا مفتوحا على المعنى والتأويل كما هو مفتوح على آلية السرد وآلية الخطاب للمكان والزمان والأحداث، لتكون قيامة البتول هي النتيجة التي يسعى إليها المؤلف، وبالتالي الخطاب الروائي بكل تحولاته وتشكيلاته، حيث تمت الإشارة إلى هذه القيامة في أكثر من موقع لتعلن قيامها من الموت مثل طائر العنقاء، ففي مقتل "الجقجوق" مغتصب الجثث بداية إعلان لقيامة البتول، كذلك الأمر عندما أنقذ "عبد السلام" الطفلة "هبة" وألبسها سلسال البتول في رقبتها تنهض بداية أخرى لقيامة البتول، وكأن البتول وهبت حياتها كي تعود الحياة ويموت الموت.

أما القسم الثاني من العنوان الأناشيد السرية، فهو يؤكد الجانب المخفي من الحرب، ومن المؤامرة على الزمان والتاريخ والمكان، إلا أن قيامة البتول كانت نهاية هذه المؤامرة على التاريخ والجغرافيا والإنسان، لتكون استجابة لمقولة "الإله حدد" (بعل مدينة حلب) ورؤيته للسلام والحياة، وهذا ما يؤكد الأهمية الكبيرة للمقتبس الذي جعله الكاتب في مقام الإهداء.

• الإهداء

يعد الإهداء العتبة الثانية التي تأتي بعد العنوان، وحين يكون الإهداء متصلا بموضوع الرواية يأخذ أهمية مختلفة وجوهرية تسهم في توسيع المعنى والتأويل النصي.

صحيح أن الكاتب أغفل مفردة (الإهداء) وجعل جزءا من رسالة الإله بعل، إله البرق والعواصف والمطر، التي تعود إلى 5 آلاف سنة قبل الميلاد، بمثابة إهداء إلى كل سوريا من شخصية أسطورية بكل حمولتها الأسطورية والدلالية والرمزية في مديح الحياة وهجاء الحرب والموت.

وبالتالي تصبح هذه المقولة طبقة نصية تشتبك مع العنوان وحمولته الدلاليه والرمزية، كما تشتبك مع النص ورؤيته الإنسانية بانفتاح حمولتها الأسطورية لغة وأسلوبا ومعنى، كما ينفتح النص على هذه المقولة وبهذا التبادل يتسرب العمق الأسطوري إلى سردية الحاضر، ليخصب المعنى بتسربه إلى زمن ما بعد الحرب، زمن السلام، الزمن المعافى من خراب الذاكرة والحاضر والمستقبل.

• الاستهلال

يأتي الاستهلال المعنون بـ "اعتراف" استباقا تأويليا يستدرج القارئ إلى غواية النص وغواية الحكاية، لأنه يقرر حقيقة ستواجه القارئ وهي العلاقة بين الواقع والخيال في الحرب السورية، التي جعلت من الواقع أكثر غرائبية من الخيال ومن اللامعقول.

وارتهانا إلى هذه المقولة يكشف المؤلف جانبا من مغامرته الروائية، لا ليصادر على القارئ غواية التحليل والتفكيك والتأويل وبالتالي متعة القراءة، وإنما ليدفع بتلك المتعة إلى مقام أكثر غواية، حين يضعه أمام مرآة تكثف رؤيته وتكثف الفضاء الذي اشتغل عليه في تفكيك الواقع بعيدا عن محدوديته كمفرز من مفرزات الحرب، وإنما كان يرتهن إلى الواقع الإنساني ما قبل الحرب وأثناءها، فواقع الحرب لم يكن واقعا منفصلا عما قبل الحرب، وإنما هو واقع متصل، فكل ما فعلته الحرب أنها كشفت ما كان مخفيا في أقبية الذات كما هو في أقبية المكان وأقبية الذاكرة، لتراهن على حياة أفضل ربما ستكون في المستقبل.

• المناصات الرقمية

تستجيب هذه المناصات الرقمية إلى ما يقارب العناوين الداخلية التي يلجأ إليها الروائيون في تخطيبهم للمفارقات الزمنية، من استرجاع واستباق وحذف وغير ذلك من التقنيات الزمنية التي يرتهن إليها الخطاب السردي لتأصيل وعيه الجمالي في وعي المتلقي، لتشكل في النهاية الجسد السردي بعناصره المتكاملة. وهذا الأمر غالبا ما يكون في النصوص الطويلة ومتوسطة الطول، وهذا ما اشتغل عليه الروائي زياد حمامي في روايته، حيث قسمها إلى فصول أربع وكل فصل قسمه إلى مقاطع مرقمة بلغت في الفصل الأول 20 مقطعا، وفي الثاني 18 مقطعا، وفي الثالث 21 مقطعا، وفي الرابع 21 مقطعا، بما مجموعه 80 مقطعا، وهذا ما سرّع الإيقاع السردي في الخطاب الروائي ووسع دائرة العلاقات الزمنية، كما وسع دائرة التلقي لتأصيل جماليتها في العلاقة التفاعلية بين النص والمتلقي.

• رهان الرؤية

"قيامة البتول الأخيرة" من الروايات التي ترتهن إلى رؤية عميقة في تفكيك زمن الحرب، والبحث عن الزمن المفقود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، سواء بالرهان على المكان الذي اغتالت روحه الحرب أو الرهان على الإنسان بوعيه للتاريخ والحاضر والمستقبل، ورهانه على أصالة الفن في روحه وذاته كرهان من أجل خلاصه، و كاستناد قوي يعجّل بقيامة البتول الأخيرة.