خيرة بلقصير

إربد.. من أين نأتي لك بالشُّروح والأقاحي المتبرجة؟ من أين أجسُّ عتابك الطويل؟ ومن أين أبدأ تاريخ المِلح في الرِّكاب ولوعة الفجر وأنت رُمّة الوقت واحتمال البحر؛ الذي كاد فيك يكُون؟ حيّك الشّمالي كان يوما ما عُنواني وأنا أجسُّ نبض البحر المختفي فيك وأتساءل: هل كان فيك بحر من ذي قبل؟

إربد عقيق مقطوعُ يجاري رنين الرُّخام في الأرواح وتفشي عليل الاجتراح المنوط بتقطع السُّبل والرجاء..

إربد الدَّحنُون؛ فرط اللّون في تخوم الحجر, يبقيك قيد الشَّوق أو كما قال عنه محمود درويش "أُولى أَغانيها: دَمُ الحُبّ الذي سفكته آلهةٌ، وآخرُها دَمٌ

إربد لفحةٌ حمراء ومنديل يرتعِدُ بردا في ليلة كلثومية تستبيح الأرق؛ حين تحدثُ الأراجِيل ضجيجها في شارع الجامعة الطويل.. وترددُ الأرجاء.. "أقبلَ الليل"!

إربد التُّوت المهيمنُ، ولطف "الكيناية" المُتاخِمة للمَوت، ومَعزوفة الرَّبابة تتناسل بطولاتٍ ومرابع.. قِبلتك الشّعر و"عَرار"..

وصباحُك "دُقَّةُ زعتَر" مجيدة تُشفي الأنفاس وتُغير مِن لحن المَوت، وأغنية "بلاتَشو بلاتشو" ترثي طرق رُوما.. ولنَيرُون عفاف الحرائق وهَول الشُّرفات وهي تُلقي بنفسها من التّخلي... غيرَ أن إربد معتصمة بنُبلها تطرزُ كبرياءها وشماغاً مُضمخاً.. يعقلنوها رجالاتُها ويتوكلون ...تلك عزيمتهم أهل الحياة بوعدها..

إربد السّكينةُ مائدة النُّبل البشري وغُصن الماء..

إربد الظهيرة ودبيبٌ في اليرموك, شفاعة الوافدين والمنفيين إليها تضرعاً..

إربد هواءُ البلاغة الأولى واللّيل المفتوح على مصراعيه..

لا نحيب يمتحنُ شرفاتها بالقطيعة والفِخاخ..

إربد يمسّدُ الغيمُ حُزنها الممْسُوس..

تتثاءبُ المدينةُ وفي القلب سهرها الأمين وقوافل المدِيح..

لكِ الزَّنبق المعصُوم من وباء يتفشى في الأزاهير..

لكِ عبقُ قَلِق في جِدالك الطّويل مع الوقت..

لكِ هُبوب وعنادِل تقضم النّهار اليائس..

وتبقي محاريث ترابِك الأحمر على أهبة أنقى..

وأنت تمنحين النِّعم والغِلال..

لكِ التّحيات والزّكيات..

لكِ السَّواعد البَواسل..

ولي فيكِ فِطام الأغنية في صمتك النَّقِي..

راجعين يا إربد الهوى راجعين.

(كاتبة جزائرية تقيم في الأردن)