منى عوض الله



نعيش اليوم ظرفاً استثنائياً أجبر أغلبيتنا، في بلدان عدة، على الخضوع لحجر صحي، أو حظر للتجوّل، في إطار الإجراءات المتبعة لمواجهة تفشي وباء كورونا. وهذا الظرف الطارئ والجديد علينا، ربما يدعونا للتفكير في حرياتنا المفقودة في سياق نمط حياتنا الجديد، فما كان مباحاً وممكننا في الأمس، بات ممنوعاً ومحظوراً اليوم. لكن الحرية التي تعني عدم الخضوع لقيد خارجي لا تتحقق بمجرد تحقيق الفرد رغباته ضمن دائرة خيارات محددة بإمكاناته ومحكومة بمطابقتها لمعايير مجتمعه، وليست هذه مشكلة الحرية الوحيدة في سياق المجتمعات المعاصرة، فحتى هذه الخيارات المحدودة التي نسميها مجازاً "حرية"، هل هي حقاً كذلك؟ وما الذي فقدناه حقاً في حظر التجوّل؟

إذا تناولنا المسألة من وجهة نظر فلسفية، منطلقين من النظرية النقدية، ستكون الإجابة "لا شيء"، نحن في حقيقة الأمر لم نفقد شيئاً ذا قيمة كما نتوهم، ففضلاً عن أننا محكومون بطبيعة الحال بأنفسنا؛ بالوراثة والعرق والطبقة واللغة والظروف الفردية الخاصة بكل منا، فإن ما نسميه عادة "فعلاً حراً" لا يعدو كونه خيار أصحاب السلطة المُلقى إلينا أو علينا، والعالم الذي يكون فيه الناس "أحراراً"، كما يقول هربرت ماركوز في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، هو "عالم تتلخص تجربته كلها في العمل والرفاه اليوميين". عالم يطرح نفسه نقيضاً للأنظمة الشمولية، بينما هو في حقيقته "ضيق ومقلّص"، في سياق شمولي مكثف، لكنه غير معلن. وما يحدد هذا العالم هو القوى المسيطرة عليه، تماماً كما في الأنظمة الشمولية.

تحتل المجتمعات الحرة اليوم موقعاً متوسطاً بين المجتمعات الرأسمالية والشمولية، وحالة التوسط هذه ليست في سياق الأفضلية والمديح، ففي حين تأخذ مجتمعات الأنظمة الشمولية طابعاً عدائياً وقاسياً، يتحول فيها الفرد بوضوح إلى عبد خاضع لأدوات عمله، ضمن صيغةٍ تُقدّم للنجاح المستقبلي المأمول للمجتمع؛ وفي حين تستمر المجتمعات الرأسمالية في ربط تحقيق المصالح العامة بتحقيق التوظيفات الخاصة والمصالح الخاصة، فتحافظ بذلك على حالة التناقض التي يُفترض بها أن تقود في نهاية الأمر إلى الانفجار والثورة؛ فإنّ المجتمعات المعاصرة، "مجتمعات الحرية المتوهمة"، تسلك مسلكاً مغايراً، فتفرض هيمنتها على الفرد، وتقضي إنتاجيتها على جميع أشكال التطور الحر لحاجاته الإنسانية، لكن في الوقت نفسه فإنّ كل شيء فيها يبدو عقلانياً؛ فهي تستخدم التكنولوجيا بدلاً من العنف لصهر القوى الاجتماعية، وتشكّل نموذجاً للانتظام، والتقدم، والنمو، والتحسن المستمر في مستويات المعيشة، وفي مستويات الحرية الظاهرية، فيعيش الفرد فيها حالة من الاستلاب والتذويب، إذ يصبح مأخوذاً بها، ومندمجاً فيها، ومتوحداً معها، فيتوهم إمكانية التحرر من بؤسه، بمزيد من الاجتهاد والعمل.

هكذا يصبح الفرد مذوباً في هذا النظام، معتاداً عليه، فلا يعود قادراً على إدراك عيوبه ونواقصه، ويصبح أكثر تبعية له، فيزداد الترابط بين الإنتاجية (أو التقدم) والاضطهاد. يقول ماركوز: "هذه التبعية المتبادلة لم تعد اليوم العلاقة الجدلية بين السيد والعبد التي اختفت من خلال النضال في سبيل اعتراف متبادل، وإنما هي حلقة مفرغة، السيد والعبد محبوسان فيها على حد سواء"، أي أن ذلك التناقض المحرك للتغيير قد اختفى، واختفت معه كل احتمالية ممكنة للثورة، بل إن مسألة التغيير برمتها لن تُطرح أصلاً في هذا السياق. وإذا كان هذا حال مجتمعاتنا في وضعها الطبيعي، قبل وباء كورونا، وقبل إجراءات الحجر الصحي وحظر التجوّل، فما الذي تغير اليوم؟

قد لا يروق للبعض الاعتراف بذلك، لكن نحن في الأصل نعيش حالة من الاستلاب والاستعباد، وهو أمر يشمل الجميع، سواءً الموظف في أعرق الشركات، وفي أرقى أحياء المدينة، أم البائع المتجول في أزقة أفقر أحيائها الشعبية، والأسوأ هو أن حالة الاستلاب تلك قد زودتنا بخيط أمل متوهم بتحصيل المزيد والتحرر من البؤس، وهو يجعلنا مستمرين في الدوران في الساقية نفسها كل يوم، وهذا الأمل تحديداً هو ما يجعلنا نفقد بالمقابل الأمل بالتغيير الحقيقي، فكما يقول والتر بنجامين: "إنّ الأمل لم يُكتب لنا إلا بسبب أولئك الذين هم بلا أمل". لكن مع ذلك، فإن الخبر الجيد هنا، إذ نعيش حالة حظر التجول في كثير من بلداننا هذه الأيام، أننا، على عكس المتوقع، ربما نحظى خلال هذه الفترة بفرصة، ولو جزئية ومؤقتة، للتحرر من حالة الاستعباد، والخروج من دوامة الأشياء، لو أننا أردنا ذلك.