زياد كمال حمامي



ست طلقات متتالية، غير مترددة، وخرَّ مواطن غير معروف على حافة الشارع، تناثرت الكتب التي كان يحملها ما بين ساعديه وزنديه، وراحة يده التي تضرجت بالحبر الأحمر، وبسرعة غريبة ترك "حمروش" نادل المقهى عمله، وانطلق باتجاه الجمع يستفسر عن الأمر، ويسأَل عن هوية الجاني الذي فرَّ هارباً، وعن شخصية المواطن المجني عليه، ولماذا حدثت هذه الجريمة، وما دوافعها، وما.. وما.. وما؟! وما هي إِلا دقائق حتى عاد إلى المقهى، إلا أَنَّ معلمه "أَبو الفرج" صرخ في وجهه قائلا:

- أَلم تغير عادتك بعد يا مجنون؟!

- أ أ.. يا..

- اسكت وإلا حطمت رأسك بهذا الفنجان.

بينما قال النادل الآخر ساخراً:

- لا يستطيع حمروش يا مُعلمي عدم التدخل بأي شيء كان.

- أعرف ذالك.. أعرف.. وإِذا لم يفعل قتل نفسه بيده!

رفع "أَبو الفرج" حاجبيه.. ثم.. قال:

- ليته يفعلها ويخلصنا منه ومن عاداته.

صاح أحد الزبائن طالباً قهوة على الريحة، فأنقذ "حمروش" من أَلسنة الاستهجان التي تعوَّد عليها، وأسرع بتحضير الطلب، بينما كان رواد المقهى مشغولين بأَحاديثهم عن الحادثة وغيرها، وكذالك أصحاب المحلات التجارية التي رقدت أَمامهم جثة القتيل بلا حراك، وقد اتصل أحدهم بالجهات المُختصة لأخذ الجسد، بينما تابع جميع من في المقهى أحاديثهم الودية:

- خذ يا حمروش وزِّع القهوة...

أَخذ الصينية وانطلق باتجاه طالب القهوة، الجالس أَمام الطاولة المُطلة على الشارع الرئيسي للمدينة، ولم يأت بعد أحد لانتشال جثة القتيل، ولم يشعر إلا أنه، وكعادته التي لا يستطيع أن ينفك عنها، حيث يقف، مرة أخرى، خلف الزبون الذي يبادر زملاءه بالتفوه عن الحادثة:

- أَجل.. أنا أعرف هذا القتيل..

- تعرفه!؟

- إِنه.. إنه.. محامي.

هتف الجالس أمامه مؤكدا:

- ربما يكون أستاذ جامعة.

بينما أَردف أحد الجالسين.

- إنه بلا شك أَحد الذين خرَّبوا اقتصاد المدينة.

وهنا جزم طالب القهوة قائلاً:

- لا... لا... إِنه ليس منهم، ولايركب سيارة فاخرة، الأثرياء لا يحملون الكتب.

وجزم الجالس في ركن المقهى:

- إِنه لاجئ عربي ينتمي إلى حزب المعارضة في بلده.

وضع حمروش فنجان القهوة. انتبه الجالسون إِليه، تفرسوا فيه باحتقار وريبة، أَرعشت قلبه قليلاً، وزادته خفاقاً حين قال له أحدهم شاتماً:

- اغرب عن وجوهنا يا ابن.....

- مـ. ا. ا ذ.. ا....؟!

- في المرة القادمة إذا تلصصت سأَقطع أُذنيك.. مفهوم؟!

ونهره أحدهم مُبعداً إيّاه عن الطاولة باحتقار. بينما ابتعد حمروش عنهم, متألماً في داخله, متسائلاً: "لماذا يهينونني ولايقبلون سماع صوتي؟!"، وتابع:

- لكن لا.. لن أبقى كما أرادونني أن أكون.

اشتعلت في قلبه حرائق الماضي: "عشر سنوات قضيتها في مصحة الأمراض العقلية, وربما أكثر من ذلك, فهل يا ترى أنا كما يسمونني مجنوناً؟؟ لا.. لا.. إنهم كاذبون يبيعون القضية بفرنك واحد!".

انقطعت بغتة حبال الأَوجاع الرخوة، حين سمع لغواً على الطاولة المجاورة، فاتجه إليها مكرراً هوايته، وقد لمح بعض الكؤوس الفارغة والفناجين، ووقف وراء أحد المتكلمين، يستمع إليه:

- أعتقد أَنَّ القاتل له ثأر قديم مع القتيل.

أجابه صديقه الذي يضع نظارة سوداء.

- لا.. لا.. هذا مستبعد جداً.

- ولماذا يا عبقري الشلة؟!

- لأَنه فر هارباً، والذي يأخذ الثأر يتباهى بما فعل.

أخذ حمروش الكؤوس والفناجين الفارغة، واتجه نحو طاولة أُخرى، حيث لم يعجبه هذا الكلام، ولم يضف إلى معلوماته جديداً.. جهَّز صينية القهوة، مرة أُخرى، وانطلق إلى وسط المقهى، ووقف يستمع إلى جماعة تُحضر معها دائماً الصحف اليومية، ومجلات كثيرة مختلفة، يحلون فيها الكلمات المتقاطعة، ثم يتركونها فوق طاولة المقهى وينصرفون، وأَخذ يستمع إليهم، ولما تأْت بعد سيَّارة الجِهات المُختصة لأَخذ الجثة على غير العادة:

- أُقسم إنَّه فنان كاريكاتوري واسمه يتأْلف من تسعة أحرف!

عارضه أَحدهم:

- لا.. بل أعتقد أنه كاتب مُتجول. لقد رأيت صورته في الصحف كثيراً.

وتدخل ثالثهم مردفاً:

- ليس مهماً من يكون، المهم أنه اغتيل في هذه الظروف.

لم يشعر حمروش كيف قال:

- هذه المدينة مقبرة.

سكتوا بغتة، واضعين رداء عدم الخوف على وجوههم. بينما كانت قلوبهم ترتعد خشية إَزعاجهم من.. أو.. من.. وفجأة وقف أحدهم والغضب بادٍ عليه، وهو يشتم حمروش ويدفع به بعيدا عن الطاولة المستديرة:

- لماذا تتجسس علينا؟ يلعنك ويلعن الأرض التي أنجبت أَمثالك!

إنها الحرب إِذاً..

بسرعة جنونية رمى حمروش الصينية من يده على طاولة الزبن، كاسراً فناجين القهوة وكؤوس الماء، في ردة فعل غير متوقعة أبداً، وبينما كان الرجل الثالث يبعدهم عنه، والقتيل ما زال مسجى على الرصيف أمام المقهى، كان حمروش يصرخ بصوت عال:

- لماذا تهينونني بأرضي ومكان ولادتي؟!

وصاح في موجة هستيرية:

- من أنا؟؟ من أنا؟؟

انتبه المعلم "أبو الفرج" إلى حالة حمروش وفوجئ بصوته القوي كل رواد المقهى، وحين نظروا إليه، انقلبت خلقته رأساً على عقب، ولم يعد ذلك النادل الوديع الذي يسمع الشتيمة ويبتسم، ومما زاد في خوف "أبو الفرج" في التدخل ومنع الكارثة، أن حمروش خلع فردتي حذائه وشهرهما كسيفين مرفوعين على رقاب الذين أهانوه، ومزق سترته الوحيدة التي جناها طوال سنين عمله نادلاً، وأرغى، وأزبد إذ ليست هذه المرة الأولى التي تأتيه حالة "الكريزا". وبلا استئذان راح يلقي على رواد المقهى نشرة أخبار غريبة، وهو يرفع رأسه عالياً، ناظراً إلى سقف المقهى، غير مبال إلى ردة فعل الموجودين:

- اسمعوا نشرة الأخبار والدولاب أيَّها السادة والسيدات!

ضحك بعضهم، وابتسم الآخر، بينما انتبه جميعهم إلى ما يقول:

- هجمت البارحة قبائل الشرق على الشرق الجنوبي وأبادتهم، وأعلن السلطان "طزطبلة" الحداد أربعين يوماً يمنع فيها شرب الشاي والقهوة!

عرف جميعهم أَنَّه يهذي، لكنهم استمروا في الاستماع إليه، بينما ازداد حمروش في اللغو:

- شعب "عربستان" يقتل بعضه بعضا، ويأكل لحم بعضه بعضا، ويقبر بعضه بعضا.

"راديو" صوت الأرض:

- إنَّ الطين سيجف إذا بقي الأمر على حاله!

أراد "أبو الفرج" التدخل، لكنه شعر بالخوف من أن يتصرف المجنون تصرفاً جهنمياً، ووقف رجل يحمل مُسدساً على خصره، بينما استمر حمروش في إلقاء نشرة الأخبار:

- وذكرت الأنباء العاجلة أَنَّ الوباء الجديد القادم إلى الشرق بصور مختلفة ومتتالية، سيتكرر دائما بصيغ جديدة إذا بقينا كما نحن، لا أحد.. لا أحد.. لا أحد.

كرر كلمة "لا أحد" ثلاث مرات، ثم صمت، ولم يقل شيئا، بينما ضحك أكثرهم من هذا الغثيان، وتراءى لهم حمروش في صورة "كراكوز" أو "عيواز", كما كانت السينما "الكرتونية"، وبينما بدأت موجة الإعصار في جسده بالهدوء تدريجياً، أطلق خبره الأخير، وهو ينظر إلى جثة القتيل من زجاج المقهى:

- أصدر السيد الوالي قراره صباح هذا اليوم بتعيين "أبو الفرج" صاحب المقهى مديراً عاماً لهيئة التفتيش والسياحة، وعضواً في لجنة الاستيراد، والاستعباد، والأبقار العامة!

ابتسم "أبو الفرج" لهذا الهراء، وقرر أنْ يطرد حمروش ولن يقبل بعد ذلك وساطة أَي كان، ولن يعيده إلى عمله أبداً، فهذه الحالة من الهستيريا قد تؤدي به إلى عقاب غير مسؤول عنه، وما ذنبه هو إذا كان الأطباء لم يعرفوا لماذا وكيف ومتى تأتيه هذه الحالة، وأكدوا مراراً أنَّ قواه العقلية والعصبية سلمية، عفوا: سليمة من الأمراض الجرثومية أو غيرها.

أخيراً حضرت الجهات المُختصة..

سمع زبائن المقى صافرات السيارات الحكومية، لكن المُلفت للنظر وصول حافلة الهلال والصليب الأحمر، وشعر كل من في المقهى بانصراف حالة الهذيان عن حمروش تماماً، بل إنه ابتسم.. ابتسم ببلاهة، لكنه، راح كعادته المشؤمة، يراقب كيف سيأخذون جثة القتيل، ومن هو، ولماذا اغتيل في هذه الظروف؟

نزل العسكر.. والممرضون.. أَنزل حمروش فنجان القهوة على طاولة "أبو الفرج"، وقبل أَنْ يهم بالخروج لمُراقبة الوضع الخارجي لجثة القتيل، قال لمعلمه:

- بعدما نشف دم القتيل يحضرون!

وأردف أحد الزبائن:

- يا إلهي.. ماذا يحدث؟!

مشى حمروش بخطوات رشيقة باتجاه باب المقهى.. تقدم.. لكن رجال العسكر دخلوا المقهى بخطوات أسرع منه، وألقوا القبض على المجنون الذي ألقى نشرة الأخبار.

(قاص وروائي سوري)