موسى إبراهيم أبو رياش



تناولت المجموعة القصصية الجديدة "أُطُر" (2019) للكاتب الأردني د.عيسى حداد، موضوعات متنوعة، مثل: المرأة، الشهادة، الطفولة، الموت، المعاقين، الوطن، وغيرها. ويلفت النظرَ العددُ الكبير من القصص المتعلقة بالأم والأمومة بتلاوينها وأحاسيسها وعواطفها كافة؛ إذ يبلغ عدد هذه القصص أربع عشرة قصة من إحدى وخمسين، وهي نسبة كبيرة، ولا عجب في ذلك؛ فالأم وما يرتبط بها، موضوع محوري في الأدب الإبداعي؛ لما تمثله الأم من قيم ومُثل ومكانة وأهمية؛ إذ لا تتصور الحياة من دونها، ويكاد كل كاتب قد كتب عن الأم بصورة من الصور، إن لم يخصص لها كتاباً مستقلاً.

وتأتي مجموعة "أُطُر" منسجمة مع هذه الأهمية الإنسانية العظيمة السامية للأم، فجاءت الأم فيها بصور مختلفة، منها:

• الحنين إلى الأم المتوفاة

وتمثل ذلك في قصتين: قصة "سعادة مفقودة"، حيث تعاني الفتاة من اليُتم المبكر، والشعور الدائم بالنقص لحنان الأم على الرغم من إغداق الأب الحنان عليها مضاعفاً، ونذره نفسه لرعايتها حتى تتزوج. تزوجت، وأنجبت طفلة جميلة، وذات يوم، عادت من العمل، فشاهدت حماتها تجدل شعر طفلتها، فأحرقها الحنين، فسألت حماتها أن تجدل لها شعرها؛ علها تحظى بلمسة حنان حرمت منها، وبلمسات أصابع الحماة شعرت بإحساس جديد، ثم غفت في نوم عميق قبل أن تكتشف سر السعادة التي تنشدها. وفي القصة الثانية "راعٍ"، ينام الراعي تحت ظل شجرة، يستيقظ على "لحوسات" نعجة من قطيعه تمسح وجهه، فيتذكر طيف أمه التي فارقته دون وداع.

• الأم المكلومة

وقد ظهر هذا جلياً في أربع قصص، هي: قصة "رقود"؛ إذ تفجع الأم بموت ابنها الأخير، وتتمنى أن تكون هي الميتة لا هو، يعزيها زوجها ويصبرها، إلى أن نامت، وأصبحت ميتة حزناً على فراق ولدها. وفي قصة "عيد ميلاد"، وفي مشهد مؤلم، تبتاع أم هدية لابنتها في عيد ميلادها كما تعودت كل عام على الرغم من أن الابنة ميتة، ولم يتبق منها إلا صورة معلقة على الجدار.

وفي قصة "فقدان الأمل"، تجلس العجوز على حطام بيتها الذي دمره جنود الاحتلال، بانتظار البحث تحته عن مقتنياتها، لم تهتم بشيء من ذلك، كانت تنتظر أن يعثروا على صورة ولدها الذي هاجر وراء البحار طلباً للرزق ولا تدري مصيره وأرضه وماذا حل به وما جرى له مع سماسرة الهجرة. انتهى البحث ولم يعثروا على الصورة، ففقدت الأمل وانحنى رأسها وبرد جسدها، بعد فقدان الرابط الوحيد بولدها الوحيد.

وفي قصة "مرسال"، تعيش الأم المسنة، في غرفة وحيدة، هي كل بيتها، فيزورها شاب، فيجدها تبكي بحرقة وألم بعد أن فقدت الزوج مبكراً ، وتركها ابنها في أوج مرضها بعد أن تزوج فتاة ثرية، فعاشت تشكو صقيع الحياة، وهي تأمل أن يزورها ابنها الوحيد ولو مرة واحدة فيحلو كل مر ويعود إليها الربيع، ولكن الشاب كان يحمل لها أخباراً تزيد الطين بلة، فغادرها دون أن يستطع أن يخبرها بشيء.

• الأم المكافحة

وتناولت هذه الثيمة قصتان: قصة "بصمة"، إذ اضطرت الأم الأرملة للاقتراض لتمويل مشروع صغير يؤمن لها ولأولادها لقمة العيش، ولما طلب منها أن تبصم على المعاملة، ارتجفت يدها وهي تبصم على رغيف خبز أولادها. وفي قصة "تهرب" يشاهد الشاب في طريقه إلى الجامعة سيدة بملابس رثة تبيع كعكاً بالسمسم الذي يحبه، فأسرع يحاول اللحاق بها وهي تزيد من سرعتها، عرف من الثوب أنها أمه، فناداها لكنها لم تستجب ولم تتوقف، ومضت تتهرب منه وسط الزحام، ولما لحق بها، توسلت إليه أن يتابع طريقه، وغابت عن ناظريه، "لا يعرف هل حجبها الزحام، أم دموع شاب في السنة الأخيرة بكلية الطب".

• الأم العطوف المعطاءة

وتبدى ذلك في قصص ثلاث: قصة "غياب"، حيث نجد أماً انشغلت عن زوجها بتربية ابنها، فلم تكن ترى غيره، فكرست حياتها له، حتى كبر وتعلم وتزوج، ولما خلا البيت إلا منها وزوجها، شعرت أنه غريب، تختلف ملامحه عن الصورة التي في ذهنها؛ يوم أن كانا يخرجان معاً ويسهران معاً. فقد أهملت زوجها من أجل ابنها، وعندما غادر ابنها، وجب عليها أن ترمم الحياة من جديد. يرى الطفل في قصة "شجرة برتقال" طيف أبيه المتوفى يجلس تحت شجرة البرتقال في طرف البستان، فيعود إلى البيت، ويخبر أمه وجده، تحتضنه الأم وتقبل وجهه المشرق وأخذت تبكي بحرارة؛ فإحساسه باليتم وفقدان الأب قد يعوضه فيض حنان الأم. وفي قصة "عطاء" ما تزال القطط الصغار ترضع من أمها حليباً مدراراً، على الرغم من موتها.

• البرّ بالأم

برّ الأم، حق لها، وواجب على الأبناء، صغاراً وكباراً، ونلحظ ذلك في قصة "حج"، حيث يذهب الابن مع أمه إلى الحج محرماً لها، وهناك تختفي أوجاع رجليها وظهرها المزمنة، وتنظر بامتنان إلى ابنها، وتخبره أنها تشعر أنها ولدت من جديد. وعندما يسألها عن وجهتهم القادمة، تقبّله بحرارة وتقول له: "إلى القدس يا روح أمك". أما في قصة "شفق"، فعلى الرغم من لون الشفق الأحمر الذي يصبغ كل الأشياء إلا أنه يرى أن يد أمه بقيت محافظة على لونها الأخضر، وهكذا كل أم، مصدر كل خصب، وصدر كل متعب، ومنارة كل ضالّ.

• الأم القاسية

وهذه صورة شاذة، ولكنها موجودة وإن بنسبة ضئيلة، وعبرت عنها قصتان: قصة "وفاء الأصدقاء"، إذ طلبت منه أمه أن يتدخل لإصلاح ذات البين بينها وبين أبيه بعد الجفاء الذي حل بينهما، إلا أنه حملها المسؤولية؛ بأنها لا تهتم بنفسها وجمالها وشعرها وتناسق جسمها، فغضبت عليه ولعنته وصرخت فيه، وعيرته أنه وصل الأربعين ولم تقبل أي فتاة الزواج منه، واتهمته بالجهل وعابت لون بشرته، وهو المقعد المشلول على كرسي متحرك. وهي صورة غير مألوفة، وقاسية جداً، ولكنه الغضب يعمي ويصم، ولا يفرق بين ابن وعدو.

وفي قصة "كابوس" يعاني الابن من كابوس ليلي، حيث تطارده عجوز شمطاء في قبو مرعب تحت الأرض، يصرخ، يود اللجوء إلى صدر أمه، فيخشى أن تكون الشمطاء قد احتلت مكان أمه بعد أن خنقتها. وفي الليلة الأخيرة، لم يأته الكابوس، ولكن حلم بأمه تؤرجحه في حديقة عامة، ولكنها تدفعه بشدة، فيطلب منها التوقف، فلا تستجيب، حتى يسقط على الأرض، فتلتقطه العجوز الشمطاء وتمسح الدم عن وجهه، ويبدو في هذه القصة أنه تم التبادل بين الأم والعجوز الشمطاء، وبما أنه كابوس وأحلام ليل، فمن المؤكد أن وراءها خوف ما، أو مشكلات أسرية، أو قلق ومتاعب نفسية.

لقد أجاد د.عيسى حداد في مجموعته "أُطُر" تصوير الحالات المختلفة للأم والأمومة وتقلباتها وآثارها، ومعظمها صور واقعية نلمسها هنا وهناك، وحتى الصور السلبية، فهي طارئة مرهونة بظروفها المؤقتة، وسرعان ما تعود الأم إلى جمالها وطبيعتها الرقيقة، وحنانها المتدفق، فالأم كانت وما زالت المثال الأنقى والأسمى والأرقى للطهر والنقاء والخير والإنسانية، فهي ليست سبباً للحياة، بل هي الحياة كلها، ومن لا أم له، فأيّ حياة يرتجي، وفي أيّ صحراء قاحلة سيقضي بقية عمره؟!

(كاتب أردني)