لا تزال الذاكرة حية ترزق تنعشها الأحداث وتسترجعها مقاربات الجيل واليوم يكفي أن ينتشر فيديو في (موبوءة) التواصل الاجتماعي لنصاب بالدهشة والألم مما وصلنا إليه من فرط عقد القيم الجمعية وفرض منظومة فاسدة من التصرفات يخشى من ان تضطرد فتصبح الغالب الأعم فالفيديو المتداول لانقضاض مجموعة من (الشباب) على رجل أمن يشي بالكثير ويستدعي إحياء الذاكرة بقدر ما يستدعي استنهاضاً إعلامياً بمواجهة الانحلال الأخلاقي الذي يكتنف محتواه..

لا زلت اتذكر جيدا عندما كنا أطفالاً في الحارة كانت لدينا قيم المروءة والنبل والفروسية تتجسد في أبسط الأشياء واعظمها ولا أريد ان اتحدث كيف كنا نوقف لعبة الكرة عندما تمر بنت الجيران لكي لا يصيبها حتى غبار الشقاوة ولا أريد ان اتحدث عن الأمهات وفزعة الأطفال لمن تحمل أكياس الخضرة لنرفع عن كاهلها الاثقال ولا أريد ان اتحدث عن ترتيب هندامنا ومراقبة الفاظنا عندما يمر من الشارع استاذ المدرسة ولا عن حالة الطوارئ واتخاذ المخابئ والساتر المخصص لكل طفل عند عودة الآباء عصرا من أعمالهم لكن سنتحدث عن أدبيات المشاجرات..

عندما كنا أطفالاً كثيراً ما كنا نتشاجر ولطالما كان حكم مباراة كرم القدم ينال ما يناله من اعتداء بسبب اجتهاد له لأنه احتسب ركلة جزاء غير محقة في نظرنا لصالح الفريق الآخر وكنا ننفعل بكل براءة ونتشاجر ويضرب بعضنا بعضا .. كانت المشاجرات لغة تفاهم من نوع خاص تحل بها أعقد المشاكل لكن بالمقابل كانت تمارس بفروسية ونبل ومروءة وضوابط محددة فكنا مثلاً نعتبر من يهزم في العراك ويلجأ الى الشكوى لدى والد المنتصر (هليمة وساقط) بل كان يتوجب عليه ان يكظم غيظ هزيمته ويتحدى مرة اخرى بأي وسيلة واي ميدان آخر (ليستد) ويثأر لكرامته ..

من المسلمات أن من يدخل الحارة للعب من حارة أخرى فهو آمن (بوجه) فلان الذي أحضره للعب معنا وكنا على قناعة بأن (الأرنب بحارته زلمة) فمن كان ولداً شجاعاً عليه أن يقاتل أبن الحارة الاخرى في مكان محايد والأهم من ذلك كان لدينا عرف (راس لراس) بحيث يتشاجر كل طفل مع الآخر دون تدخل أي طرف لنصرة الطفل الآخر وكنا نعتبر أنه من الخسة والنذالة بمكان أن يشترك أكثر من طفل للاعتداء على طفل وحيد لذا كانت تجبرنا المروءة على التدخل فوراً اذا اعتدى أكثر من طفل على طفل لوحده ونقول (مش زلومية) وبالطبع فإما أن نتدخل كطرف شجار وفقا لمعايير القربى والصداقة أو نتدخل (كفزيعة) وعرفاً فللفزيع ثلثي (الكتلة) وكنا نعود لبيوتنا منتصرين او مهزومين فذلك لا يهم لكن ما كان يهمنا هو أننا سطرنا موقفا والاهم من ذلك كله أنه الأهل لا يعرفون ابدا ماهية الصراعات في الحارة..

فيديو رجل الامن الذي يتعرض للاعتداء الجماعي من قبل عدد من الأشخاص وهو أعزل بلا رفيق ولا ظهير او قوة مساندة لا توجد فيه أي معنى للقيم او الاخلاق التي يتوجب أن تكبر مع الانسان ويرضعها من طفولته وكلما نضج نضجت معه ورسخت في الوجدان الفردي والجمعي وهذا الفيديو توجد فيه كل مظاهر العنف والاعتداء والظلم والاستقواء لكنه بالتأكيد لا توجد فيمن شارك فيه أو صوره أي قيم من النبل والمروءة والفروسية وعندما شاهدته انطلقت من القلب عبارة عفوية (يا مشمين واحد لواحد كونوا على الاقل مثل اطفال الحارة)..