حسين مقبل

(شاعر من اليمن)


هذه الروح سيئة الطالع

منذ وُلدت

وهي في ترحالٍ مستمر دون وثوبٍ في براري السنوات .

ربما أنها تبحث عن جسدٍ ...

نصبتْ خيمة

وأخرى

وأخرى

وأخريات كُثر

وبين هذي وتلك وتلك وتلك وتلك

مسافات شاسعة من التناهيد الجافة

والدموع الكثبانية الغزيرة

والسنوات العاقرة .

قضتْ كالبدو الرحل

في ترحالٍ لا نهاية له

ترحال طويل تعدى سعةَ احتمالها

تجاوز ما يمكن أن تعيشه في هذه الحياة من أعمارٍ تفوق حجم الكثير من الحيوات

ربما حيوات متباينة بتفاوتٍ عددي بالغ

أو عكس ذلك .

ظلّت ترتحل

لا متاع لديها غير توجُّسها المتحشرج

تحملهُ بحلقها المرتجف

توجُّسها من اللانهاية

اللانهاية مطموسة المعالم .

عاشت هذه الروح

حياة جنائزية محفوفة بالموتِ

الموت المتمترس بالصلابة وعنفوان الفناء

تجابهه بما لديها من رمقٍ تارة، وترضخ أخرى،

لكنها تعود

وتتمرد في وجههِ بما أمكن من تضجُّرها

تضجُّرها الذي فُقدت ملامحه .

في القفار المجهولة

القفار التي غرقت اتجاهاتها

أو هربت ...

تمضي قُدماً

وبخطواتٍ معاقة

تتجاوز زوابع الشياطين،

وتوحش الرمال الجائعة

تواجه بوهنها البالغ وحشيةَ الدياجير القارسة

ورعب المقابر التي نزحت منها إلى وجهاتٍ مترامية تلكَ الجثامين

والصور الزائفة التي تسردها كتب الأساطير

شتاءات عديدة

اقترنت بهذه الروح

شتاءات صاخبة،

وأخرى عكس ذلك تماما.

أعمار مدمدمة

وأخرى مزمجرة

سنوات بِسماتٍ وضيعةٍ مليئة بالخبث،

وأيام تجري في عروق جسدها النجاسةُ بوضوح

أيام بلا رحمة

تبتلع أُمنيات البؤساء

وتقهقه في وجه معاناتهم بحقد

لترسم مصائرهم كما تشاء .

في رحلتها المصيرية الطويلة البائسة

والسوداوية الرهيبة

كان هناك خيطٌ رفيع يدفع بتلك الروح إلى الأمام

كلّما راودها الإحساس بالانهزام والاستسلام لمصيرها

ذلك الخيط الرهيف

دفع بجنونها إلى دروب بالغة الرعب

دروب نتنة

ووديان ضامرة تقطنها كائنات بوجوهٍ مشوهة

دفعها ذلك الخيط دون بوصلة نحو اللا معلوم.

يا لوحشية المجهول

حين يدفعنا خوفنا منه إلى مجاهيل عدة نجهل مآلاتها

هكذا تمتمتْ وهي تخوض معركة ضميرية صاخبة..

حاولت إفراغ ما تحمله من ندم

بإمكانياتها الشحيحة

دون جدوى..

فات الأوان..

ذلك الخيط ما زال يجرّها خلفه..

آخيراً

بدت في البعد أمكنة

عكس كل تلك التي آلِفَتها ...

أمكنة تبدو حيوية

أمكنة لا علاقة لها بكل ما عاشته في الماضي..

عاد وهجها

وأطلقت صيحة هزت الجهات التي كانت لحسن الحظ دون جدران .

قالت :

الآن وُلدتُ من جديد

لم أعد أعترف بأمنياتي الغبية تلك .

من ضمن تلك الأمنيات:

أثناء رحلتها وفي إحدى الليالي المقمرة، إذ رأت حشرة تحلّق بطريقة ملفتة،

فتمنّت لو أنها كانت كتلك الحشرة

بدلاً من كونها روحاً هشة بلا وجهة أو جناحين.

انطلقت بسرعةٍ إلى أسفل المنحدر

ثم صعدت وصرخت من على رابية صغيرة وقالت :

لقد انتصرت .

انتصرت أخيراً أيها العالم المتخاذل

أيها العالم التعيس

الغارق بالإحباط

والخذلان

والقذارة ...

انتصرت رغماً عن كل ما جرى..

ثم واصلت القفز نحو البقعة المضيئة كفراشةٍ خفيفة

إلى أن بلغتها

وهناك كانت تقف فتاةٌ

فتاة جميلة بقوامٍ رشيق

لديها من السحر ما يؤهلها لإحياء الموتى..

لا أدري كيف ومن أين خرجت

يبدو أنها أيضاً كانت قادمة للغرض نفسه الذي قدِمت من أجله هذه الروح التعيسة؛

البحث عن الجزء الآخر منها.

وقفت تلك الفتاة كزهرةٍ وحيدة تفتّحت للتو،

ارتمت الروح المنهكة بحضن الفتاة

وهي تبكي

ضمّتها بقوة

كأن تضم شيئاً لقيته بعد بحث مُضنٍ خشية أن يفلت منك، وتفقده مرة ثانية..

وهمهمت تخبرها بأشياء على شكل أسئلة معاتبة:

ثلاثة عقود... لماذا لا تنقذيني من هذا العالم؟!

وكيف استطعتِ العيش من دوني؟!

ثلاثة عقود كنت أدعي الشجاعة

والقوة

وأنا عكس ذلك..

ثلاثة عقود أصارع أصناف الموت

الموت الذي كنت أتوسله أحياناً أن يلفّ حبال جبروته على عنقي

فيُعرض عني حين أريد منه فعل ذلك، ويروادني حين لا أريد..

وأنا أبحث عنك ...

لماذا

لماذا لم تأتي إليَّ؟

لماذا تأخرتِ كل هذه الأعوام؟

لمااااااذا؟؟؟؟؟

وشرعت تضرب على كتف الفتاة

وتؤنبها

لكن الفتاة لم ترد

كانت قد اكتفت بتلك الابتسامة التي تحمل في جلدها أطناناً من الكلمات .

سقطت حزمة ذهبية من الضوء

خرجت من بين سُحبٍ سوداء قاتمة

وتناثرت لاحقاً قطرات غيث ثقيلة

أصدرت أصواتاً أثناء ارتطامها بالأرض

التي تلوّنت بلونٍ يشبه الأخضر..

لكنه لم يكن كذلك تماماً..

اختلطت كل عناصر الحياة في تلك الرقعة الصغيرة،

وتشكلت لوحة مقدسة لا نظير لها

تستطيع أن تقول عنها بثقةٍ:

هذه هي لوحة الحياة والحب .