ميّادة أنور الصعيدي

اشتملت رواية فضيحة في شريحة" للكاتب الأردني عصام أبو شندي على ثلاث شرائح في مائة وثمان وأربعين صفحةً، أي ما يقارب خمسين صفحةً لكلّ شريحة، روى الكاتب في الشريحة الأولى حكاية الفتاة سهى مع شابٍ يُدعى "Royal" قد عمد إلى ابتزازها، بعد مراسلات دارت بينهما عبر (الفيس بوك) استغرقت حوالي ثماني صفحات كشفت عن زيف العلاقات الغراميّة التي تحدث بين من هم في ربيع أعمارهم، وأنّ كلّ ما يستهويهم/ هنّ ليس سوى الكلام المعسول والشههوات.

ولقد كشف الروائي عن أهم العوامل التّي تُسَبِّب مثل هذه العلاقات المشوبة: الإدمان، العلاقات الأسريّة المبتورة، الزّواج المبكّر، اليتم،... وأخيراً دافع الانتقام، فقد اتّضح في نهاية المطاف أنّ ما فعله الشّاب "Royal" صاحب الاسم الوهميّ، بـ "سهى" ابنة الأستاذ عبد الله، كان من قبيل الانتقام من الأستاذ نفسه، الذي كان على اتّصال بأمّ عامر وهو "Royal" صوتاً وصورةً.

وكشف الروائي في الشريحة الثّانية عن دور الذّباب الالكترونيّ في الحملات الانتخابيّة خاصّة، وقد يكون الذباب شخصاً أو جنوداً مدرّبين هدفهم الأوّل اقتناص السياق الزّمني والتّشويش على الشرفاء فحسب، وكيف أنّ العالم أصبح حارة تسري بها الأخبار المغلوطة كالنّار في الهشيم.

وتطرّق الروائيّ في الشريحة الثّالثة إلى موضوع حسّاس، وهو كيفيّة وصول الخلايا الإرهابيّة للأشخاص عبر مواقع التّواصل؛ بغية تجنيدهم أو توريطهم في عمليّات بشعة غرضها التّخريب، ولقد استعرض الروائي الأسباب الكامنة وراء انضمام الشّاب "مروان" إلى "خليّة جرش الإرهابيّة"؛ بغية وضع مسؤولي المجتمع كلّ على رأس أولويّاته اتّجاه التّنمّر، والأيتام، والمراهقين.

إنّ انسجام عناصر العمل الروائيّ وتضافرها في إحداث أعلى درجات التّفاعل والتّأثير في نفس المتلقّي وسلوكه هو ما يبرز جماليّة السرد، فبقدر تفوّق الروائيّ في تغليف الواقع بثوبٍ سرديٍّ أخّاذ، ينتقي فيه أدواته الفنيّة بعنايةٍ مدروسةٍ؛ لإيصال فكرته، يُكتبُ لعمله الروائيّ التّناغم الجمالي. ولقد برزت جماليات السرد في رواية "فضيحة في شريحة "من خلال أبعادٍ عدّة، وسيتم التّركيز هنا على بعدين هما الزمان والمكان.

• أوّلاً: الزّمان

يكتسب الزمان بعده الحقيقيّ لكونه إطاراً للفعل، وموضوعاً للتجربة الإنسانيّة، وقد يحوّله الكاتب إلى أداة للتعبير عن موقف الشخصيّة الروائيّة من الذات والمجتمع والماضي والمستقبل.

إنّ من أهم الأحداث التي آلت إليها الشخصيّات في الحاضر هو ما حدث معها في الماضي؛ لذا قام الروائيّ بتوظيف تقنية الاسترجاع؛ لتحقيق غايات فنيّة ودلاليّة للنّص.

ولقد برزت جماليّة الرواية من خلال توظيف الروائيّ المفارقة الزّمانيّة، والتّلاعب بالنّظام الزّمنيّ، من خلال التّباين بين زمنيّة الحكاية، وزمنيّة الخطاب، وزمن قراءة الرواية، أي تعدّد زمن الرواية.

وقد يلجأ الكاتب إلى المفارقة الزّمنيّة من خلال تكسير خطيّة زمن الرواية، وتقريب المسافة بين الأزمنة المعاشة أو الكامنة في الذّاكرة، يقول الروائي: "قضيّة الصّغار وقعت كردة فعلٍ لما قام به الكبار، وإذن فهي حكاية الأجيال التّي تتوالى والسّوء الذّي يتولّد بعضه من بعض" (ص55). لقد أسهم عنصر الزّمن في تشكل الدلالة، فقد عكس الروائيّ من خلال التّطوّر العصريّ في التّواصل الفسادَ الخارجيّ، ووسّع دائرته من المستوى الفرديّ إلى المستوى الجماعيّ.

• ثانيّاً: المكان

يلعبُ المكانُ دوراً أساسيّاً في التّحكّم بمجريات الأحداث، والتّأثير في الشخصيّات بالكشف عن ردود أفعالها وطبيعة العلاقات في ما بينها، كما حدث مع الأستاذ عبد الله عندما رأى أم عامر في غرفة النّوم الورديّة في بثّ مباشر بينهما، وهذا بدوره أسهم في نشوء علاقات مشبوهة بين الشخصيّات؛ لذا فإنّ علاقة الشّخصيّة بالمكان ليست هامشيّة أو طارئة، وإنّما في الصميم حيثُ المكان مؤهل للكشف عن لا وعي الشخصيّة ومشاعرها النّفسيّة.

لقد ارتفع الروائي بالمكان من مجرّد حيّز جغرافيّ ضيّق إلى حيّز لغويّ ينبض بالحركة والحياة، تفاعلت فيه الشّخصيّات ونقلت عواطفهم وثقافتهم الأصيلة والمكتسبة، ولقد أبرز الروائي صفات المكان، وما يحتوي عليه، حيث قال: "ومن ثمّ اختارت سهى زاوية من زوايا غرفتها الشبابيّة التّي تحوي سرير نومٍ... واللون الغالب على هذه الغرفة هو النّهديّ" (ص30). ويبدو حقيقةً أنّ مواصفات هذه الغرفة مناسبةً لهذه الشّخصيّة وسنّها، ويبدو أنّ لون المكان يوحي ببراءة سهى وانخداعها بـ (Royal)، ولعلّ تركيز الروائيّ على المكان المغلق "الغرفة"؛ في محاولةٍ من الشخصيّات ستر ما يبدو للمجتمع عيباً.

ولقد لجأ الروائيّ إلى وصف الأماكن المفتوحة في بداية الحكاية ونهايتها قاصداً أن يخرج القارئ من تلك العوالق النّفسيّة التي تشبثت به عنوةً في متن الحكاية، ولكن ّالدافع الواضح من ذلك هو ربط تغيرات الأمكنة بأحداث الرواية، كأن يصف الأرض الطينيّة في البلدة وكثرة المنزلقات فيها، إيماءً لتراجع القيم الأصيلة والفضائل عند أهل الخالديّة، أو انزلاقها في بحر الملذّات، ويمكن القول أنّ أبا شندي قد انتقل من وصف الأماكن المفتوحة إلى الأماكن المغلقة، ومن ثمّ المعاودة إلى الأماكن المفتوحة؛ سعياً إلى نقل القارئ من عالم خارج الرواية إلى عالم الرواية؛ لكسر الرتابة والملل، وتهيئةً للتفاعل مع الأحداث بكلّ سلاسةٍ وانسجام، وفي هذه الحركة الدائريّة للأمكنة؛ ايحاءً رائعاً لتوصيل فكرة "العالم بين يديك" من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، مع الحذر من دوران الدائرة على الشخصيّات فيفتضح مستورها، وقد يكون من اليسير وضع دائرة إشارة إلى الخطأ، أو تنويهاً لرفض الواقع، وهذا ما كشف عن شخصيّة أبي شندي في عدم تقبله مساوئ التواصل، واستيائه الشديد من ولع شرائح المجتمع كافّة بهذه الوسائل، بحيث شغلتهم عن أداء واجباتهم.

إنّ الانتقال من العالم الخارجي إلى العالم الروائي، وتباين الظاهر عن المخفيّ، قد خلق بعداً جماليّاً من أبعاد الرواية، ساقت المتلقّي للبحث الدؤوب عن الأسباب، بحيث عجز عن وضع حد لارتشافه زلال الأحداث وفيضانها بالدلالات، ولقد تجلّت قدرة الروائي في تضمين أحداثه نوعاً من المفارقة، كأن يخلق طوقاً من صفاتٍ محدّدةٍ على شخصيّة معيّنة، لا يمكن كسره إلا بعد فترةٍ زمانيّةٍ وبشكلٍ مفاجئ، ممّا قد يخلخل توقعات القارئ، ويبعث على تأمله في مجريات الأحداث، كشخصيّة الأستاذ عبد الله التي قُلبت رأساً على عقب أثناء السرد، في إشارة من الكاتب إلى أنّ الدرجة العلميّة كذلك ليست بمأمنٍ من شرور التّواصل.

إنّ رواية "فضيحة في شريحة" تمثّل نصّاً أدبيّاً يحملُ معايير فنّيّة وجماليّة، جعلته نصّاً مبدعاً وخلّاقاً وأكثر تأثيراً في نفس المتلقّي؛ ممّا يؤدّي إلى العديد من التّأويلات مع تعدّد القرّاء؛ لذا تبقى هذه الرواية مفتوحةً للدّراسة والبحث.

(كاتبة فلسطينية/ غزة)