د.أماني حاتم بسيسو



تُجابهُنا الأسئلة حولَ هذا النَّصّ الأدبيِّ، ما هي كتابةُ الشاعر! إنها –على حَدِّ قولِه- إنها "الكتابة على الماء والطين"، فلنتأمَّل ولنتستنطق لغةَ القصيدة، إلامَ تُفضي! لعلَّها جُهْدٌ ضائعٌ حَسْب، فالكتابةُ على الماء هباء! جُهْدٌ دونَ جدوى، بِغَيرِ أثر باقٍ! لكنَّه –إذْ يختلط بالتراب- يُسهِم في تكوين الطِّين.

ما هو (الطِّين)!

الطّين هو أصْلُ تكوين الإنسان، وهذا العنوان يَنُمُّ عن قُدرةِ كلماتِ الشاعِر، وأهليَّتِها في أن تصوغَ فِكْرَ الإنسان، بتغلغلها في لاوعيه، لِتُكَوِّنَ شخصيَّتَه المَنشودة، التي يسعى الأدبُ لإنشائها في أمثَلِ صورة، وأتَمِّ هيئة. والطين يَنُمُّ عن ارتباطي ببلادي التي كان هذا المقطع اللفظي: (طين) جزءاً من اسمها: (فلسطين)! و(الماءُ) –هنا- هو مادَّةُ الحياة الأساسيّة للإنسان، ولِعمومِ الكائنات الحيّة: "وجعلنا من الماء كلَّ شئٍ حيّ" (سورة الأنبياء: 30).

وفي المفهوم القرآني يحتلُّ (الماء) قدرةً فائقة: "ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربَت إنَّ الذي أحياها لَمُحيي الموتى إنه على كلِّ شئٍ قدير" (سورة فصلت: 39). وإلى جانب ارتباطِ الماء بقدرةِ الله -المُحيي المُبدئ، المُعيد-، اكتسب (الماء) مقاماً عالياً من الشرف والكرامة، إذْ وَرَدَ في قوله تعالى: "وكان عرشه على الماء" (سورة: هود: آية 7). و(الكتابةُ) –كما عُلِم- وسيلةُ الشاعر المُلهَم لِإيصالِ رسالتِه. فما هي هذه الرسالة التي سعى الشاعر لِإيصالِها لنا على هذا النَّحو من التشكيل الجمالي؟ وماذا بَعْدُ؟!

الكاتب مَسكونٌ بِشيمة (الطيبة)، يُلِحُّ على استقصائها في شخصيّة الإنسان، لأنَّ هذه الشِّيمةَ –وَحْدَها- تُؤَهِّلُه لِيَكونَ أعمقَ في تَقَبُّلِ ما حولَه كلَّه.

إلى أيِّ شئٍ يسعى نضال القاسم بوسائله الجمالية المتنوِّعة! إنَّه يستثيرُ انتباه القارئ، ويُقيم (بناءً) متوائماً مُتناسِقاً، يؤلِّفَ ما تناثرَ فينا! إنه يُنشئنا من جديد، وُيعيد بناءنا. و(الطين) يحمل صورةَ (الوطن) وذكرى أرضِه، وارتباطها بالخصْبِ والنَّماء.. الأرضِ التي نَدين لها جميعُنا بالحُبِّ والولاء. وإذا توقَّفنا نساءل: لماذا يَتمَسَّك المبدع بـ (الكتابة على الماء)؟! والوَعيُ لمْ يألَفُها يوماً! (الماءُ) جزءٌ من معالم بلادي، وحدودها الجغرافية، و(الماءُ) وسيلةٌ لِإقامَة البنيان من جديد، حتى جَبْلُ الإسمنت ليس في غِنىً عن الماء، لِيكون مَرِناً بِأيدي البَنّائين.

أداؤه الفني حملَ طابع الكلام الفلسفي، عميقِ المعنى، بليغ التَّعبير، في محاولةٍ لإعادة تعريف الألفاظ -التي طال أن تداولَها النَّاس- بِمَعانٍ أرحبَ دلالةً، وأعمقَ صِفةً، وفْقَ معانيها ودلالاتِها العميقة الأصيلة في الوجدان الجمعي، للأُمَّةِ كلِّها.

وإذا تأمَّلنا إهداءه العامَّ في أولى صفحات إبداعه، وجدناه يتقدَّم به: "إلى كلِّ النُّفوس الطّيّبة في العالم، وإلى كثيرين في الذاكرة دوماً، في زمنٍ صعبٍ وحزين".. إهداؤه هذا يتوخَّى الخيرَ في فطرةِ كلِّ إنسان، ويُلِحُّ –طويلاً- على السِّمة التي ركَّز ربُّ العالمين على جدواها في كلِّ إنسان: "الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه" (سورة الزُّمَر، آية 18). الإنسانُ الفَذُّ المميَّز قادرٌ على صياغة الجمال وقراءتِه في كلَّ ما حولَه، كما قال أبو ماضي: كُنْ جميلاً تَرَ الوجودَ جميلا! سِمَةُ الجمال وخُلُقُ الطِّيبة –وحدَهما- المُرشَّحان لِتغيير دُنيا الإنسان، والاقتراب من عالَم (المثال) الأنقى، والأرقى.

(الكتابةُ على الماء): ما الظلال التي تُوحي بها! (فمي عاجزٌ أن يقولَ الحقيقة)، يُكَبِّلُه الاضطهاد، والسّجن، والتعذيب! فيتحدّاها كلَّها! سأكتب حتى لو على الماء! حتى ولو لم تُسخَّر لي أداة الكتابة، أو وسيلة نشرٍ تُسمِعُ الجميعَ صوتي! فأنا إن لم أكتب أموت! وبِموتِ المثقَّف صاحبِ الرَّأي الحُرّ الجريء يموتُ الحقُّ، وتُزيَّفُ الحقيقة.

"فمي عاجزٌ أن يقول الحقيقةَ

والقلبُ ينزفُ

فاعذريني

لأنّي أُحِبُّكِ

لم أقُل أبداً أحبُّك .

رأسي مُثقَلٌ

لا وقتَ يكفي

وإني

أضعتُ الطريقَ إلى الحُبّ".

فمي عاجِزٌ عن إخبارِ النَّاس بِهَمّي الحقيقي، مُحارَب، لا يملكُ أن ينقُلَ للناس معاناةَ الشاعر، الذي لا يَملِك كتمانَ صوتِ الحَقّ، من مَنطَلَقِ كونِه إعلاميّاً، أو صحافيّاً، أو حتى مُثقّفاً واعياً! ورغم ذلك الهَمِّ الذي يُعانيه، فهو لا يفتأ يلوم نفسَه: (لم أقل أبداً أحبك).. لم يُوفِ بلادَه حقَّها، فباتَ ينحو على نفسِه باللوم والعتاب والتأنيب: (لم أقل يوماً)! أنتَ تنفي عن نفسِكَ حتى أقلَّ الجُهد، لأنَّ حبَّكَ فاقَ الوصفَ كلَّه.

(والقلب ينزف).. إنها مُعاناةٌ طالت، وجنى عليَّ أثرُها، لم تكن عاقبتَها بضعُ قطراتٍ من دمي، بل هو (القلب ينزف)، والفعل المضارع –هنا- يُوحي باستمرارِ الأذى، وفي معاناتي لم تتأذَّ جوارح جسدي وَحْدَها، بل تمكَّنت مأساتي من أعماق إحساسي، فآذتني أذىً شديداً. نضال القاسم ما زال يشعر بتقصيره نحو عذاباتِ بلادِنا، لقد عصفت الأفكار ببالي، فـ(رأسي مثقل)، لأن الوقتَ ينقضي، دون أن أُسهِمَ بجُهدٍ ذي أثر.

(فاعذريني): عَمَّ تعتذر؟! نزيفُ جرحكَ -الذي لا يتوقَّف- كفيلٌ باجتلابِ العُذرِ، دون أن تُصَرِّحَ بِطلبه، الشاعرُ أضحى يعتذر عن (حبه)! فيُفاجئُ –بهذا- وعيَ المُتَلقّي، هل يعتذر المُحِبُّ عن تَّصريحِه بحُبِّه! ويُبرِّر هذا بقوله: (لم أقُل أبداً أُحبُّك)!

يلوم نفسَه على تقصيره في إفضائه بِحُبه الذي مَلَكَ جوانبَ نفسِه: لقد قصَّرتُ في الإفضاءِ بحُبّي ويُتبِع الجملةَ بثلاثِ نقاط (...) اصطُلِحَ على أنها علامةٌ للحذف. هناكَ المزيدُ من المضامين الأليمةِ الدَّفينة، لم يَتَهيّأ للمُنشئ الإفصاحُ عنها، فبقي أثرُها، دون أن تتجلّى ماهيّتُها: (رأسي مُثقَل): فالتَّفكيرُ فيكِ يُلِحُّ عليّ، ويُثقِلُ همَّ المسؤوليّة المُلقاةِ عليّ، وتُؤكِّدُ الواجبَ الذي لا أملك عنه فَكاكاً: (كيف سألقاكِ) هذا ما شاغل أفكاري، فأثقلَ رأسي بازدحام الخيارات.

(وإنّي): يُفْرِدُها في سطر، بما يوحي بخصوصيّةِ دلالتِها وأهمّيّة تلك الدلالة، فـ(أنا) وحدي مَنْ يحمل العبْ، لأنني إنسانٌ صاحبُ فِكْرٍ ووعي، والضمير المفرد جاء بعد (إنَ) حرف التوكيد الذي يَنُمُّ عن لزوم، ووجوب التصاق المعنى بالأداة النَّحْويَّة، وحدي مَنْ تحمَّلَ العِبءَ، ووحدي سأُحاسَب، وأُحمل اللومَ إن أخفقت!

أضعتٌ الطريقَ إلى الحُبّ.. (أضعت): فعلٌ ماضٍ يُحَقِّقُ وقوعَ الفعل، وأنا مَن اختارَ تَحَقُّقَ الضياع ليس لِلحبَّ وحْدَه، بل للطريق إليه أيضاً! هذا إمعانٌ في صِفَةِ ألمِ الفقدان، ومَرارَتِه. وإسناد الفعل لِتاء المُتَكَلِّم يُلِحُّ على المبدع، لعلَّها (النَّفس اللوامة) التي أقسم بها ربُّ العالمين في سورةِ القيامة. وأنا –بِفِعلي المُجحِفِ هذا- جلَبْتُ لِشخصيَّتي إلصاقَ العَيبِ والتُّهمة بها، انتفى عني اللون الخاصُّ بي، والشخصية المميزة، أصبحتُ دون معالم ! وحتى دون أيِّ (لون) إذ جاءت بصيغة التنكير، فهي ذاتُ دلالةٍ عامَّة.

"ولا لون لي

موجٌ يُباغتني ويصعد في دمي ورداً وماءْ".

ما أَلَمَّ بي شعورٌ عاصِفٌ، مشحونٌ بالألم، وهذا الألم صِفَتُه (الحركة المُباغِتة)، فهو (يُفاجئُني) على غيرِ تَوَقُّع، لكنَّه حازَ –بذلك- في ذهني معنىً جميلاً، إذْ صارَ (في دمي)، فمَلَكَ أن يَسري في عروقي دماً، لِيَهَبني الحياة من جديد، ويَعِدُني باستمرارها، وإلى جانبِ هذا فقد حاز أن يكون (ورداً) عاليَ القيمةِ، جميلَ التَّفاصيل والمعاني.

كأَنَّه الذكرى يُضيء وينطفئ.. يسري في عروقي، كأنّه (الذكرى)، ويملك بتعريفها بـ (أل) التعريف تخصيصَها بوجهٍ مألوفٍ معروف، طالَ اتِّصالُنا بها كِلانا –الكاتب والمُتلقّي.

"موجٌ يبعثرني شظايا

ويصهل في دمي".

هذا الموجُ يُلِحّ!َ على تقويمِ أودِ بنائي، بِتَخَطِّيه وإعادة بنائه من جديد، على أصولٍ قويمةٍ، لِأُواصِلَ سيري في دربي، وأنا –بسيري هذا- لا أملك أن أنطلِقَ، أو أجري، أنا (أمشي)، وأتحدّى، لا ولن أتوقَّف..

"على الماء أمشي وأكتب ثم أمشي وأكتب ثم أمشي وأكتب

أكتب

أكتب

أكتب".

قد غدت هذه سيرتي، وغدا هذا دَرْبي الذي (أمشي) فيه، ولا أرومُ غيرُه، وإن كنتُ فيه لا أنطلِقُ، ولا أجري، لا أملك إلا أن (أمشي) لكنني لا ولن أتوقّف! سأبقى أتحدى!

الكتابة على الطّين:

"يأتي المساءُ كعادتِه بليداً ساكناً كلُّ الشوارعِ مُقفِرة

ولدٌ تَشبَّثَ بالكتابة والحياة

فأحرقته يدُ الحياة".

(يأتي) صيغة المُضارعة التي لا تنفكُّ ولا تنقطع، عبْرَ العصورِ كلِّها، وفي الأماكن كافَّة، هل هي (ظِلال)! (أنوار فجر)! لا.. بل هو (المساءُ) بِحُلْكَتِه.

يُمعِن هذا المساءُ في الإيغال بدخولِه السَّلبي: (بليداً ساكناً)، فسكونُه إذ ربطه المبدع بلفظة (بليداً) لا يَشي، ولا يَنُمُّ إلا عن معنى (الخذلان)، لا معنى (السُّكون والرَّاحة)، أهكذا كان لكم أن تُمسوا، بعدَ أن كنتُم أهل النَّصر والفلاح! هل هذا ما اخترتم أن تَؤولوا إليه؟!

(ولدٌ تشبث بالكتابة والحياة): مبدعُنا يُلِحُّ على جدوى (الكتابة). إنها مظهرٌ من مظاهر حياةِ الأُمم والشعوب، فماذا كانت النتيجة؟ (أحرقته يد الحياة): لقد ملكت كتابانُه الثوريّة -المُحَفِّزة على النهوض من جديد- أن تقضي عليه، وتُحرقَه بأسلوبٍ موجِع مُخيف مُستهجن، لم يألفه الأحرار، هل ضاعَ ما وَصّانا به أميرُ الشعراء، وكان من قبل مَفخرةً وعِزّاً

لم يُدرِكِ المُقرَّبون –الذين كان جهادُنا في سبيلِ وحدتِنا معهم- قيمةَ وِحْدَتِنا، وجدوى أن نَقِفَ صفَّاً واحداً في وجه أعداء الأمّة، فماذا كانت النتيجة؟

(ولدٌ) تبعثر في البلادِ العاثرة..

لقد طالت الأحزان الجيل الجديد، فأفرزت )ولداً) تبعثر في البلاد العاثرة!، التي تعثَّر خطوها، حين أنكرت وِحْدَتَها، فصار نتاجُها ولداً، طفلاً، جيلاً (مبعثراً) دونَ هُويَّة، دون أرضٍ! بلا جِنسيّةٍ أو حقوق! غيرَ أنَّ الألمَ –في نفس الأُصلاء- صاغَ التَّحدَي، وأفرز الثورة، فهو ما زال يأبى:

"ولَدٌ خُرافيٌّ عنيدْ

مليء بأصواتِ أهليه مُستبسلاً".

أفرزت الآلام والتَّحدّيات جيلاً مُتمَرِّداً ثائراً (أطفال الحجارة)، وسيلتُهم في الحرب (الحجارة) أقربُ إلى (الخرافة) التي تتحدَّى الواقع المحدود ضئيلَ القيمة! وواحدهم مجرّد (ولد) لا يحمل العقلَ والبصيرةَ اللذين يكفلان توجيه خطاه، على وجه مدروس، لكنَّه خُلُقُ الإباء وإرادةُ الحياة على وَجْهٍ فِطْريٍّ، طال أن أَلِفَه، وأذهَلَ الجميع!

وهذا الـ(ولد)، الذي صاغته الثورة، مَلَكَ أن يكونَ مُحَدِّثاً فذّاً بأصواتِ أهلِه -كلِّهِم- التي ملكَت أن تَملأه بحِسِّهِم الثوريِّ كلِّه، فأضفت عليه صيغةَ اسم الفاعل، الذي تَميَّزَ بهذا الفعل، فسُمّيَ، ونُعِتَ به.

حينَ غنّى بكيتُ، فأطبقَ أجفانَه والتأم، لقد كان جرحاً ينزف، لكنَّه –إذْ رآنا إلى جانبه- اطمأنَّ وتماثلَ لِلشفاء. لقد مَلَكنا جميعُنا- أن نشعر بآلامِ بعضنا بعضاً، وإذْ مَلَكْتُ أشجى لِمُصابك، أمكنَ ألحانكَ أن تُشجيني، فأطبقتَ أجفانَكَ. مبدعُنا يُعبِّر بالنقاط -التي وضعَها- عن كلامٍ محذوف. هناك الكثيرُ من البَثِّ والشكوى، جمَّعَنا إلى بعضنا بعضاً:

"يا نائحَ الطَّلْحِ أشباهٌ عوادينا نشجى لواديك أم نأسى لِوادينا!" (أحمد شوقي).

"كُلُّ الشوارعِ مُقفِرة"..

لم أعُدْ ألمَسُ مظاهرَ الحياة، فيمَ كان –بالأمس- يَضِجُّ بالحياة! ما الذي أفرزَه تَطَوُّرُ حياتِنا! (ولدٌ تشبَّثَ بالكتابة والحياة) لأنَّ الكتابةَ تحفظ الحياةَ لآبادٍ لا تفنى، بل يصوغُها حيَّةً فعّالةً، قادِرةً على إعداد جيلٍ مُفعَمٍ بالإرادة، مؤمِنٍ بجدواها، فماذا كانت النتيجة! وماذا ينبغي أن تكون!

حين أتى المساءُ (استعر) وراح (يُجلجِل).. لقد تَلَهَّبَ بالثورة، عوضاً عن مسائه الذي كان في أوَّلِ الإبداعِ: بليداً ساكناً، فراح:

"يُعيدُ إلى الصّحْبِ أحلامَهم"..

يُرجع إلينا ما تقاصرت هِمَمُنا دونَ نَيْلِه، وتحقيقِه، فأخذَ يُراحِبُ رؤيتَنا إلى (مَدىً) أرحَب وأبعدَ أُفقاً، راح (ينأى)، ويبتعد بجَفاءٍ، عن الإحباطِ السَّلبيِّ، لِيُنشئَ ويصوغُ (هِمَّةً) فريدة، و(أملاً) بِنَصْرٍ مُحَقَّق، في ذِهْنِه يَتَألَّق.

"يُضيء المَساراتِ بين الأزقّة"

لقد أمسى يتغلغل حتى فيمَ بين الأزقّة، لِيُضئَ الممراتِ الدقيقةَ بينَها، سأُنشئ الرُّؤيةَ التي أطمحُ إليها، وأصوغُها، ولو بين الأزقّةَ الضيّقَة، لِأنني أُريد سأستطيع، حتى لو بِيَدِ أطفالٍ لا يملكون سِوى طموحِهم، وسلاحِهم: (الحجارة)!

"يبحث عن مدىً".

يأمل أن يَرودَ سبيلاً للانطلاق، يعتلي به فوقَ الحدود:

"ويظلُّ يأتي كما العشب أخضرَ

يهمي على عشبة الروح أخضر

يمضي إلى الموت في زرقة البحر

أخضر

أخضر

أخضر".

مبدعُنا يَبُثُّ روحَ اللون الأخضر في ما يرى كلِّه، واللون الأخضر: بُشرى: (جنّاتٍ خُضر).

"وكان صديقي

يطارد ظلَّه والأقحوان

على أكتافِه يغفو الصَّنوبر

لم نفترق إلا لأنّ الحُلم ضاع

ولدٌ تلاشى واحترق".

وكانت هيئةُ صديقي التي أَلِفْتُ أن أراه عليها، أنه لا يفتأُ يطارد ظله: يشبَّثُ بما لا يملك عنه انفَكاكاً: وطنه الذي يرتبط به ارتباطاً فِطريّاً، يُتابعه ويَلزمُه كظلِّه! والشاعرُ يتوق للبُشرى بالرموز الإيجابية: الأقحوان: الدَّحنون في الربيع، الصَّنوبر: الشجرِ دائمِ الخضرة.

"لم نفترق إلا لأنَّ الحُلم ضاع".

لم أفارق أحلامي الوضيئة إلا لأنَّ الحلمَ الإيجابي تَبدَّد في خيالي، وفِقدانُ الأمل مُنذرٌ بالضياع، وإذ أضعتُ أملي فقدتُ الـ(ولدَ) الذي ربَّيتُه، بل رأيتُه –أمامي- وقد تلاشى واحترق، ولم أُحَرِك ساكناً!

إنَّها غايةُ الوجع، ومنتهى الألم، اختياري لِأوجاعي، وسعيي إليها.

(ولدٌ تلاشى واحترق)..كمْ هو موجِعٌ هذا التَّعبير!، وكم مَلَكَ عليَّ لُبّي! كيف لي أن أتذوّقَه؟

(ولدٌ): إنَّ الولد –هنا- كِنايةٌ عن الحُلم الذي طالما سعيتُ لِتَحقيقِه، ولِصياغتِه بأحسن وَجْه، وعلى أتَمِّ صِفة، فماذا كان؟!

(تلاشى): لقد فقدتُ حتى بقايا جُثّتِه، كأن لم يَكُن! (واجترق): الصيغةُ الصرفية (افتعل) تُعطي سِمةَ المُبالغة، وتَدَرُّج نُموِّ الفعل.. لقد احترق أمامي -شيئاً فشيئاً- فأمعنَ في عذاباتي.. هذه صورةٌ مؤلِمةٌ، موجِعة! فضياعُ الحُلم يُعادِلُ ضياعَ الرُّوح!

سَلبيّةُ العَرب، أضاعت –حتى ظلالَ الحُلم، وقضت حتى على ذِكراه، ورجائه، على نَحْوٍ مؤسِفٍ مؤلِمٍ!

كُنّا نَحلُمُ بِوحْدَتِنا،

ونحن أضَعناها!

وبعد،

فإذا وقفنا نتساءل: لماذا اختار نضال القاسم أن يصوغً إبداعَه هذا، بهذه الهيئةـ وعلى هذا النَّحو؟ أيًّ نحوٍ هو هذا؟ وإلى أيِّ فنون الأجناس الأدبية يُنمى!

يقترِبُ نِتاجُه الأدبي من عالَمِ الشعر في خيالاته، ووقفاته، ومعانيه الخفيّة، التي تَلوح ولا تبدو، ويفترق عنه في تَمَرُّده على موسيقى الأنغام الشعرية المألوفة المعهودة!

تقترب صيغةُ فنِّه –هنا- مِما يُسمى (قصيدة النثر) التي تتحدّى حتى الشكل المألوف للنوع الأدبي. هذه الكتابة تعتمدُ على الصّور الفَنيّة، والألفاظِ عميقة الصِّلةِ بالمعنى، بليغة الدّلالة على المقصود، لا تَشي به أو تَنُمُّ عنه حَسْب، وإلى جانب ذلك تُحيِّرُ المُصنِّفَ: تحت أيِّ بابِ من الفنِّ يُدرجها! مع أنها تملك نفس القارئ على نحوٍ عميق، وتأبى إلا أن تُلِحَّ على ذهنه بألفاظها المُنتقاة، وخيالاتها رَحبة الامتداد.

إنَّها تنبضُ بروحِ الثورة والتَّحَدّي.