"من يقْبَلُك وانت منطفىء يستحق كل الحب"..

عبارة يتداولونها على وسائل التواصل الإجتماعي أعادتني الى الماضي القريب ما قبل الكورونا أذكر أنني سمعتها بينما كنت أجلس بمقهى بانتظار حضور صديقة لي تأخرَّتْ بسبب زحمة السير.. مما أتاح لي الجلوس بمفردي قليلا والتمتع بخلوة مع النفس والنّظر عبر النافذة القريبة أرقب حركة الشارع بعيدة عن أي دور فاعل.. فقط مجرّد مشاهِدَة بدون أية مسؤوليات مقتنصة إجازة لدقائق معدودات لهي بمثابة راحة ما بعدها الراحة بظل هذه الزّحمة والتزاحم اليومي..

تطرّق إلى سمعي صوت سيدة يبدو عليها التأثّر وهي تتحدث لرفيقتها على الطاولة المجاورة حيث وصلني صوتها واضحا جليا لخلوّ المقهى من الروّاد بتلك الساعة المبكّرة..

خاتمة كلامها: "من يقْبِلُك وانْت مُنْطَفِىء يستحقُّ كلّ الحب"!

فعلى ما يبدو انها مُطالبَة دوما بأن تكون في غاية التألّق النفسي على الصعد كافة وإلا سيمتعض منها الكثيرون متهمينها بالنّكد وأنّه لا يُعْجِبُها العجب ولا الصيام برجب!

تناهى إلى سمعي سؤال صديقتها: ولكن هؤلاء جميعهم هل ينطبق عليهم التأّلّق والتبسّم شكلا ومضمونا؟

فجاء ردّها بالنفْي القاطع..

تعاطفْتُ فعلا مع هذه السيدة المؤطِّرَة اجتماعيا والمطلوب منها أن تعرض حالة نفْسية واحدة مشتعلة متألّقة فرِحَة متفائِلة سعيدة.. الخ من الصفات لتبثّ الحبور والسرور بنفوس مَنْ حولها وإلاّ ..!

كدْتُ أتدخل بقولي: أهنّئك فهذا يعني أنّك قائدة ولهذا فأنت مطالبَة أكثر من غيرِك.. وهذا مصير من يتمتع بمميزات القيادة ، ولكنني أحجمتُ عن ذلك عملا ب "من تدخّل فيما لا يعنيه لقي مالا يرضيه "!

تابعَتْ السيدة حديثها مع جليستها قائلة : أنا ألتزم بذلك وعن طيب خاطر أثناء دوامي بالعمل ولكن ليس على مدار الساعة أُسَرِيّا واجتماعيّا وعمليّا ..

اتفقتُ معها -بداخلي- على أنّ القيادة لا يجوز ان تحرم صاحبها من عفويته وتلقائيته.. فهذا نوع من العقاب النفسي بأن يظل الإنسان طيلة الوقت متبسما مرِحا فرِحا امام القاصي والدّاني.. فتأطير الشخصية وقولبتها الدائميْن هو إرهاص ما بعده إرهاص وسجن يقمع الروح الوثّابة المتطلعة للتحليق بفضاءاتها الرحبة ..

وتتداعى أفكاري أكثر وأكثر.. صحيح ان السّعيد بطبيعته يكون قد وصل إلى المرحلة المنشودة من الهدوء النفسي والتسامح مع النفس ومن ثَمَّ الآخر مما يخلق حوله هالة طافحة من سعادة تأسر الآخرين فتجذبهم نحوه لينعموا بهذه الهالة الإيجابية المحبَّبة للنفس.. فالشعور بالسعادة مُحبَّب ويكاد يكون مُعديا عدوى إيجابية -بعيدا عن كورونا-!

والأغرب من ذلك أن "البعض" يريدون تسيير مزاج الآخرين ليكونوا متألقين أومنطفئين وفق رغباتهم هُمْ .. فيطفئون الغير وقتما يشاؤون /لأنه وفق رأيهم هذا مش وقته/ وكيف لا وهم ينتمون لتلك الفئة المتعسّفة المنضوية تحت مظلة "سعادة البعض تكتمل بإتعاس البعض الآخر" ؟

ولكن هل الجميع ملتزم بهاذ التالق أم أنه مطلوب من الآخرين - الغير - فقط ؟

hashem.nadia@gmail