د. عبد الهادي المدادحة

حفيط رجل في العقد السابع من العمر، لم يتزوج، مهتم جدا بأناقته، يرتدي دائما ملابس فاخرة وتزين عنقه ربطة عنق من الحرير الخالص، ألوانها جميلة ومنسجمة مع ألوان بقية الملابس.

لا يسمح لأشعة الشمس بالعبور إلى غرفة نومه ولا إلى مكتبه، فالنوافذ والستائر مغلقة بإحكام طوال العام.

وليد صديقه المقرب إليه، يكبره بأشهر ثلاثة فقط، يسمح لأشعة الشمس ولغيرها من الأشعة الكونية بالعبور حتى إلى تلابيب دماغه الداخلية.

بعد تخرجهما في الجامعة أمضيا وقتا طويلا وهما صديقان.

التقيا مساء في المقهى الجديد الذي تغيّر اسمه من مقهى كوكب الشرق إلى "كوفي شوب ميلانو". لم أكن أدري لماذا اختار صاحبه هذا الاسم. أخيرا عرفت أنه يشجع فريقَ كرة قدم إيطاليا يمثل مدينة ميلانو.

في المقهى الجديد، زُينت المقاعد المصنوعة من الجلد الفاخر بنقوش ذهبية اللون.

أينما جلت ببصرك ترى شاشات التلفزة تبث أغنيات بلغات أجنبية أو مباريات في كرة القدم أو مباريات التنس الأرضي أو سباقات جنونية للسيارات.

لم يعد في المقهى الجديد كراسيّ مصنوعة من الخشب والقش، وغاب نهائيا المذياع المرفوع على رف خشبي في احدى الزوايا، وصمتت نشرة الأخبار كما اختفت أغاني السيدة أم كلثوم.

لا تجد في المقهى الجديد مشروب الشاي يقدَّم في أباريق صغيرة تملأ كاسا واحدا أو كأسين اثنين. كما كان الشاي يُسكب في أكواب صغيرة من الزجاج الشفاف فترى لون السائل فتشعر بالدفء وحميمية العلاقة بين السائل الأحمر في الكوب الزجاجي الشفاف وبينك. فالعلاقة قديمة ومتينة، أمتن من أي علاقة بأي مشروب آخر. إذ تعمل الحواس جميعها، تلمس الزجاج الشفاف، وترى المشروب يتلألأ في الكوب، وتذوق الطعم، وتشم الرائحة، وتسمع صوت تحريك السكّر ليذوب في المحلول الساخن. ولا تقدَّم القهوة في "بكارجها" النحاسية على صينية من النحاس أيضا، تحمل لك "البكرج" والفنجان مع كوب الماء.

في "الكوفي شوب" يقدَّم الشاي في كوب كبير غير شفاف يقال له "مغ" لا تتبادل النظرات مع المشروب الذي في داخله. الماء في المقهى الجديد يقدَّم في قارورة من البلاستيك وليس في كوب شفاف نقي اللون. المشروب المثلَّج اسمه "آيس تي" والمشروب الساخن اسمه "كباتشينو".

لا صبيّ يصرخ بأعلى صوته ينقل ما طلبت ليحضروه لك، بل يأتيك رجل أنيق أو تأتيك فتاة جميلة تكتب ما طلبته على شاشة جهاز إلكتروني بيدها، أو تكبس زرا يقابل اسم الطلب، فيظهر على شاشة في المكان الذي تحضَّر به الطلبات.

أطلق حفيظ زفرة طويلة من أنفاسه وقال: "إيه... قال الخبير بعلم الأبراج والفلك والتنجيم إن مواليد برج الجدي سيعانون حتى نهاية العام الحالي. وأنت تعرف أنني من مواليد هذا البرج. إذن الأبراج والفلك ستقف ضدي وتعطل مشاريعي كلها، اعتبارا من اليوم وحتى نهاية العام".

وأضاف: "هذا ما نقله إليّ الراديو صباح اليوم من إذاعة مونت كارلو الدولية. ليس هذا فحسب، بل أكثر من ذلك أيضا، كنت أستمع إلى موسيقى جميلة يبثها الراديو فانقطعت فجأة وتوقعت أن يأتيني خبر سيئ على الهاتف، ما إن أنهيت كلامي مع نفسي وإذ بهاتفي النقال يقرع ليخبرني مَن هو في الطرف الآخر أن أوراقي غير مكتملة ولا دفعة مالية لي في هذا الشهر حتى تستكمل الأوراق بشكل صحيح. أيّ حظ أغبر يداهمني وأيّ زمان بائس نعيشه".

قال وليد:: "دعك من هذه الوساوس يا صديقي، واسعَ إلى استكمال الأوراق المطلوبة منك وستحصل على الدفعة المالية في وقتها".

ردّ حفيظ: "هل تدري ما كان حظ مواليد برج الحوت اليوم؟".

أجاب وليد: "أنا لا أستمع إلى خبراء الأبراج والفلك ولا آخذ بكلامهم. أنت تعرفني مؤمن بقول الله سبحانه وتعالى (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا).. أنتظر قضاء الله بصدر رحب".

ثم أطلق زفرة طويلة من أنفاسه وتابع بصوت هامس لا يكاد يسمعه إلا حفيظ: "لم يعد المقهى موجودا كما كان في أذهاننا، تحول إلى (كوفي شوب)، وينطق اسمه باللغة الأعجمية وليس بالعربية. لم تعد لعبة ورق الشدة يجتمع فيها أربعة لاعبين ومن حولهم حشود يشجعون ويرقصون فرحا أو ينتفضون غضبا، كما لم تعد هناك لعبة الزهر يلعبها اثنان ويتجمع حولهما مؤيدون ومناصرون.. ألا تلاحظ يا صديقي أن الشباب من رواد (الكوفي شوب) يلعب كل منهم منفردا مع جهازه الخليوي، ولا أحد يكلم الآخر كأنهم في خصومة دائمة ومستمرة".

قال حفيظ: "نعم.. نعم.. هذا صحيح". وأضاف: "لقد فشلت بالإجابة عن سؤال سألته لنفسي مرات عديدة: لماذا يأتي الشباب والصبايا إلى (الكوفي شوب) معاً مع أنهم لا يتحدثون إلى بعضهم بعضاً وكل منهم ينشغل بهاتفه النقال؟".

وتابع حفيظ بقول: "لكن ما وراءك أنت؟ أراك تفقد من وزنك شيئا فشيئا.. ماذا تفعل؟ هل تتبع حمية غذائية صارمة أم ماذا؟"

أجاب وليد بثقة: "أَراقب كميات الطعام التي أتناولها في كل وجبة وأقارن ذلك مع السعرات الحرارية التي يجب عليّ أن أفقدها لينقص الوزن. كل ذلك من خلال ساعة إلكترونية سوداء لها شاشة زجاجية معتمة أيضا لا ترى منها شئيا. أضعها في معصمي طوال النهار والليل، وأستغني عن حمل الهاتف أثناء القيام بالتمارين الرياضية".

وتابع شرحه قائلاً: "للساعة زر تكبسه، فتظهر على الشاشة السوداء كل المؤشرات الحيوية التي جرت خلال يوم كامل وعلى مدار الساعة. فتعرف سرعة نبضات القلب، وقياس قوة ضغط الدم، وكم خطوة مشيت على قدميك، وكم من الكيلو مترات قطعت في المشي، وكم سعرة حرارية فقدت، ثم كم ساعة استغرقت في النوم، وكم مرة استيقضت من النوم، وبعد كم دقيقة عدت للنوم مرة أخرى، وكم مرة تقلّبتَ في منامك".

وواصل وليد حديثه: "قال لي ولدي إن جيلاً جديداً من هذه الساعات طُرح حديثا في الأسواق.. سأطلب لك ساعة جديدة تعطي معلومات ومؤشرات حيوية أكثر وتفاصيل أخرى.. لقد أخافني ما قاله ولدي، فربما تنجح التكنولوجيا في تسجيل الحلم الذي نحلمه، ثم تنجح بسرقة الحلم ثم تنجح بتوجيهه. إن سُرق الحلم منا، نصبح عبيدا لمن امتلك تلك التكنولوجيا".

قال حفيظ باندفاع شديد ونبرة تحدٍّ: "منذ هذه اللحظة، اتخذت قرارا لا رجعة عنه، لن أنام في غرفة فيها جهاز إلكتروني. فكل حياتنا أصبحت مسجلة بالصوت وبالصورة. ولا نعرف متى سيستعملون تلك المعلومات ضدنا".

قال وليد بهدوء: "معركتنا مع التكنولوجيا ليست خيارا نستطيع أن نهجره، إنها قدر مكتوب علينا. إنك تستطيع أن تمنع أشعة الشمس من الدخول إلى غرفة نومك أو إلى مكتبك بإغلاق النوافذ وإسدال الستائر جيدا، لكنك مهما عملت لن تستطيع أن تمنع وصول التكنولوجيا إلى تلك الأماكن. الهاتف النقال والإنترنت والأجهزة الكهربائية الأخرى".

قال حفيظ بأسلوب يشي بالاستياء: "أنت تعلم أني أشك في هذه التكنولوجيا التي قلبت حياتنا رأسا على عقب. فكما تريحنا في جوانب، تتعبنا في جوانت أخرى. لم يعد ممكنا التحفظ على مكان وجودك في أيّ ساعة من ساعات اليوم، فأنت تحت الطلب لمن يشاء وفي أي وقت يشاء. إن ما يقلقني كثيرا هو تخزين كم هائل من المعلومات الشخصية على هذا الجهاز الصغير، أرقام سرية وأرقام حسابات بنكية وتواريخ والكثير غيرها. هل تعلم أنني أسجل أسماء الأدوية والجرعات التي أستخدمها على هذا الجهاز ليسهل علي أمر تكرار صرفها من الصيدلية. لهذا الحد وصل بنا الأمر! لم نعد نثق بذاكرتنا قيد أنملة".

قال وليد بصوت يملأه الوقار وتفيض منه الحكمة: "الشك هو مصدر القلق وطريق التشاؤم، فالشك تساؤل مستمر لا يبحث عن إجابة، وإنما يبحث دائما عن معبر لشك آخر. طريق الشك الحواس التي تنقل الأشياء من صور وأصوات وروائح ومذاقات وملامس، لا تصنعها الحواس في الواقع، بل تنقلها كما هي، إذن يجب أن تكون تلك الأشياء موجودة أصلا".

وأضاف: "بينما اليقين مصدر الطمأنينة وطريق الكسل والاستكانة إلى الأقدار.. اليقين قفل وإغلاق لدائرة البحث عما يحتمله الجواب من نسبة خطأ أو صواب. طريق اليقين القلب.. تلك المضخة الحيوية الميكانيكية الجوفاء. إن اطمأنت أمن الإنسان حتى لو كانت الشرور تحاصره".

قال حفيظ باندفاع: "ماذا نفعل إذن، لا الشك يكفي ولا اليقين يكفي.. الإنسان كائن يبحث عن متاعبه لا عن راحته. الإنسان دخل في معركة مستمرة مع الطبيعة منذ وعيه الأول وما زال يرفض أن يسلم بما لا يعرف. الإنسان صنع الأساطير ليفسر ما كان يخيفه من الظواهر الطبيعية التي يراها تتكرر ولا يعرف ما هي ولا كيف تصنع ولا أين تذهب. فلجأ إلى الأسطورة لتفسير تلك الظواهر. الأسطورة كما تعلم نص وطقس، نص فيه شيء من القدسية المزعومة، وطقس يمارَس بشكل فردي أو جماعي يوحي بالخنوع والركوع والخوف. ومع ذلك استمر الإنسان يبحث عن تفسيرات أخرى غير أساطيره التي صنعها لأنه يعرف أنها ليست كل الحقيقة".

قال وليد: "العلم.. العلم يا صديقي هو السيف الذي يقطع الشك ويبعد الاستكانة إلى الأقدار. لكنّ أشرارا استولوا على العلم فسخّروه لما يخدم أهدافهم ويقضّ مضاجعنا. لم يعد ممكنا أن تجري حياتنا سهلة بسيطة بلا تعقيد كما كانت في السابق، وعلينا أن نتغير في كل الاتجاهات".

وأضاف: "اخترع الإنسان شيئا اسمه الذكاء الصناعي، وهو تخزين كل المعلومات المتوفرة عن الشخص على شرائح صغيرة ودقيقة كتلك التي توجد في الهاتف النقال. بكبسة زر واحدة تستطيع أن تعرف ما تريد عن صاحب الشريحة. ويستطيع بعضهم أن يركب أشياء جديدة في الشريحة ستؤثر بشكل مباشر على سير الحياة وفقا لنمطها السابق".

رشف حفيظ من (الكباتشينو) فاصطبغت شفتاه برغوة الحليب. مسح آثار الحليب المترسبة على شفتيه، واستعد للحديث من الجديد، كأنه قرر أن يفرغ جزءا من كلامه الجواني الكامن في نفسه وقال: "لا يوجد شيء مخزن في هاتفي النقال أخجل منه، فقط أسماء الأدوية التي أتناولها وبعض كلمات المرور للفيسبوك والبريد الإلكتروني، ومع ذلك لست مطمئنا، أنا قلق وسيقتلني القلق بعد أن سمعت منك عن تلك الساعة التي ستتطور لتسرق الحلم وتسيطر عليه.. هيا بنا يا صديقي نعود إلى منازلنا، يكفينا ما رأينا وما سمعنا".

انصرف الصديقان كل إلى منزله، بينما "الكوفي شوب" ما زالت تعج بالرواد من كلا الجنسين، يتحلقون حول طاولاتهم ولا يكلمون بعضهم بعضا، بل ينفثون دخان النرجيلة في الهواء ويعبث كل منهم في هاتفه النقال، يقرأ منه، ويلعب معه ويتصل بالعالم الخارجي من خلاله.

في ساعة متأخرة من تلك الليلة أضاء هاتف وليد الغرفة وملأها رنيناً، على الطرف الآخر كان صديقه حفيظ يطلب النجدة ونقله سريعا إلى المستشفى. استعان المختصون في المستشفى بهاتف حفيظ الخليوي ليعرفوا سيرته المرضية والأدوية التي يتناولها والجرعات الدقيقة لها.

في ظهيرة اليوم التالي، جلس وليد على سرير حفيظ في غرفة الانعاش، ممسكا بيد صديقه متمتما يدعو له بالشفاء. أفاق حفيظ من غيبوبته تلك، رأى صديقه يجلس بقربه، ابتسم وقال:

"جاؤوني وضبطوني متلبسا بحالة حنين للمقهى الذي كنا نجلس فيه معا. كنت أحلم أننا نجلس في المقهى القديم، مقهى كوكب الشرق، نقرأ الصحف، نناقش كتَبة الأعمدة اليومية، نتوقع ماذا سيكتبون غدا تعليقا على خطاب الزعيم الذي بثه المذياع قبل قليل. نحلل قصيدة عمودية نظمها شاعر عربي كان يقف في باحة قصر الحمراء في غرناطة، جاءته فتاة شقراء إسبانية، قالت له: هؤلاء أجدادي الذين بنوا كل هذا، لكن من أنت؟ امتدت إلى عنقي يد رجل رأيت صورته أكثر من مرة على شاشة هاتفي النقال، شدني من طرف ربطة العنق، لفها مرة أخرى حول عنقي بإحكام وابتدأ الألم يعتصر صدري وذراعي اليسرى ويمتد نحو كتفي، وابتدأ العرق يتصبب من جبيني واشتدّ الألم اشتدّ اشتدّ".

(كاتب أردني)