عمان- الرأي



"تحت جناحي الممزق تستريح الريح" يتناص الشاعر فخري الرطروط في عنوانه مع قصيدة أبي الطيب المتنبي: "على قلق كأن الريح تحتي/ أوجهها يمينا أو شمالا).

ولكن زمن أبي الطيب المتنبي يختلف عن زمن الرطروط ليس من حيث اختلاف الناس وقضاياهم فقط، بل وأيضاً في شكل التعبير ووسيلته.

فالرطروط في مؤلفه الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بعمان يلجأ للومضة أو "الزفرة" والنفثة التي تقوم عل الجملة أو بضع كلمات لتلخيص الصورة واختزال الحال.

في كتابه الذي يقع في 177 صفحة من القطع الوسط يدون الشاعر أو ينقش جملا تتأمل الوجود، دون أن يسرف في الإنشاء، ويكتفي بالصورة الحسية أو المتخيل الذهني الذي يتواءم مع وسيلة العصر للتلقي.

ويقسم الكتاب إلى ثمانية نصوص يختار الرطروط عناوينها بأسلوب سريالي لا يبتعد عن الواقع السريالي الذي يراه في لا معقوليته وغرائبيته، والعناوين هي: "صيف وحشرات وأحلام ميتة"، "متى ستتحول البنادق إلى كائنات نباتية"، "موسم خصاء البراغيث"، "مقدمة سفينة في كأس ماء"،"مملكة القرود"، "مسحوق الكآبة"، "رجل وحيد يلعب التايكوندو مع الهواء"، و"لن ننجز شعرا يكفي لرثاء العالم".

وينطق الشاعر في ومضاته من رؤية شعرية للوجود والكون، وهي الرؤية اللامعقولة التي تبدو غريبة كما الشعر لاسيعاب الواقع الأشد غرابة، وهو يراهن على الشعر والشعرية لوعي متوازن للكون.

وللعناوين الفرعية التي اختارها الرطروط علاقة كبيرة بمتون النصوص في تصوير العالم المتوحش، متسائلا متى تتحول البنادق إلى كائنات نباتية، بمعنى تتخلى عن وحشيتها وتنبت الحب ، وتغير أدوارها من وسيلة للموت إلى وسيلة للخصب والحياة.

في المقولة الكلية للكتاب سرد يلخص سيرة الحياة نفسها بتأملات الواقع وإعادة بنائه شعريا كرهان للخروج من مأزق الحياة التي جئنا لها كما يقول الشاعر: "هذا العالم خرج لي بالصدفة من ماكينة قمار، وضعت قطعة معدنية فربحني العالم"، وهي الصدفة ذاتها التي تحكم الحياة بقدرية غير معلومة كما يقول: "نحن قنابل مؤقتة تقوم القوى العلوية بتفجيرها بقسوة، وفي اللحظات غير المتوقعة"، ولا يكون لنا سوى الانتظار أو مراقفة المشهد وهو ينهار، "نجلس على حطام العالم، نراقب السماء الزرقاء، والغيوم والطيور المهاجرة".

هذه النصوص، التأملات للحياة، لا تحتاج للسرد الطويل، وإنما للإبراقات والنفثات التي أحسن الشاعر في اختيارها أو بشكل أدق في التقاطها من فضاء الحياة الذي تتعربشه تلك الصور كالعناكب، وهي نصوص تتواءم مع عصر السرعة والتكنولوجيا التي تكتفي بالجملة التي تثير جيوشا من التأملات، وتترك في القارئ الكثير من الأسئلة التي يضعها تحت جناحيه كلما راودته نفسه للتحليق.

هي الأسئلة التي تراود الشاعر حينما يدخل المرآة ويضل طريق العودة، ولا يسعفه سوى الشعر، حيث "للشعر رائحة لا تعرفها سوى الذئاب المنفردة"، حيث الشعراء"صمامات أمان لهذا العالم"، وهو –الشعر- قادر عل إطلاق النار عل الأشياء القبيحة في العالم من النقطة صفر"، فالعالم الذي يشيد في قصيدة لا يمكن تدميره".

في "تحت جناحي الممزق تستريح الريح" اختزال لصور الحياة التي يراها في الباص والسينما، ويصادفها في الشارع وقارعة الطريق، ليعيد تقطيرها بنشوة الشعرية ونبيذها، فهي دعوة من الرطروط لشعرنة العالم التي تتمثل رؤية أبي الطيب المتنبي وهو يوجه أقداره رغم إدراكه بعبثية تلك الأمواج المتلاطمة: "على قلق".

ويتساءل متمثلا مقطعا من فيلم سينمائي:

لماذا تستمرين في العيش

ويجيب: "لأنه ليس لدي خيار آخر".