أبواب - تالا أيوب

اشترى أبو قصي ماكنة حلاقة كهربائية الكترونيا، وهمَّ بمشاهدة مقاطع مصوّرة تبث عبر اليوتيوب لتعليم الحلاقة للمبتدئين، وبعدها أجلس ابنه على كرسيّ مستخدما مواد متوفرة بالبيت من مفارش طاولة سفرة مصنوعة من نايلون و"مريول" مطبخ ليقي جسد ابنه من الشعر المتناثر وبدأ بالحلاقة.

حال "أبو قصي" يشبه حال كثير من أرباب الأسر يلجأون الى الحلاقة منزليا بسبب انزعاج أبنائهم من طول شعرهم في فترة عدم السماح لصالونات الحلاقة بالعمل بسبب أزمة "كوفيد-١٩".

يقول أبو قصي في حديثه لـ"أبواب - الرأي": "تغيّرت أحوالنا وبعض عاداتنا في هذه الفترة، وتقبلنا عدة أمور منها التسوق مشيا على الأقدام، وعدم استخدام سياراتنا، ورضينا بمستوى تعليم أبنائنا بالشكل الحالي وغيرها (...) فلن يقف الأمر عند حلاقة الشعر بمفردنا حتى لو لم تكن متقنة".

ومن جهة أخرى يلجأ بعض الآباء والأمهات الى حلاقة شعر أبنائهم بشكل كامل، كما يعرف بـ "على الصفر" اذ أن أبناءهم غير معتادين على طول شعرهم الذي وصل إليه، وبنفس الوقت لا يتقنون عمل التسريحات فوجدوا بهذا الحل راحة وأكثر نظافة.

بينما أديل مصرصع -وهي والدة طفلين- لا توافق فكرة حلاقة شعر الأبناء على الصفر بتاتا اذ ترى أن منظر الأبناء لا يعد مقبولا.

وتكمل: "أنا أؤيد فكرة حلاقة شعر الأبناء في المنزل اذا كان لدى أحد الأبوين خبرة بهذا المجال، ويستخدمون أداة تتقن العمل، وباستطاعة المستخدم التحكّم بدرجات الحلاقة".

وتضيف: "أما اذا لم يكن لديهم خبرة فلا أشجعهم على القيام بذلك أبدا كي لا يتأثر شكل الابن سلبيا كما حدث مع ابنيَّ".

تباينت آراء الأبناء الذين خبروا تجربة الحلاقة المنزلية من قبل أحد الوالدين، بعضهم تقبّل شكله بكل صدر رحب بالرغم من وجود بعض الأخطاء بقصّة شعره وأخذ يشبّه نفسه بأحد الممثلين الكوميديين ويقوم بتقليده، بينما آخرون لم يتقبلوا أشكالهم كليا حتى أنهم لا يحبذون رؤية أنفسهم بالمرآة بتاتا.

كما أن بعض الأمهات نشرن مقاطع فيديو مصوّرة، وهن يحلقن شهر أبنائهن، ويعلمن غيرهن طريقة سهلة؛ لتخفيف شعر أبنائهن من جهة؛ وليشجعن غيرهن على الاستمرار بالحلاقة في البيوت بهدف توفير النقود بمرحلة ما بعد أزمة كورونا.

تابع "أبواب-الرأي" عددا كبيرا من الإعلانات التجارية الإلكترونية التي تنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي فلاحظ عددا كبيرا من اعلانات محالِ تجهيز صالونات الحلاقة لبيع الأدوات المتعلقة بها كالماكنات الكهربائية ومقصات وموس ومشط ومنفضة شعر وغيرها من الأمور المتعلقة بالحلاقين، وعند تواصل الرأي مع أحد البائعين صرّح عن اقبال كبير من قبل العائلات على هذه الأدوات وبالأخص ماكنات الحلاقة الكهربائية.

سلوكات تكيفية جديدة

يقول خبير علم الاجتماع الدكتور مجدي الدين خمش: "تتكيّف الأسرة الأردنية مع الأزمة الحالية من خلال البقاء بالبيت ملتزمين بالقرارات الحكومية للمشاركة بالحرب ضد كورونا".

يلفت خمش الى أن الشعب الأردني يقدّر الأداء الحكومي المتميز بتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ويراها حكومة فعّالة ناجحة، وأعطت صورة إيجابية عن الأردن عالميا، اذ أنه يتفوّق على دول كبيرة في كيفية التعامل لوقف الوباء، ما يبعث مشاعر الفخر والاعتزاز للأردنيين، ويدفعهم الى التوحد معها واجراءاتها.

ويكمل: "أصبح للأسر سلوكات تكيفية جديدة مع الوضع من خلال تقليل عدد الوجبات والجلوس مع أفراد الأسرة بفترة زمنية أطول وأصبح لديهم نوع من التقشف والإدخار وغيرها (...)".

ويتابع: "وأصبح لديهم حاجات متجددة كحلاقة الشعر نظرا لعدم السماح لصالونات الحلاقة بالعمل، فوجدت الأسرة طريقة للحلاقة، فأحيانا يكون للأب خبرة بقص الشعر فيحلق شعر أبنائه، فيصل الى نتيجة جيدة، وأحيانا تكون النتيجة غير مرضية، ولكن بنظرهم أفضل من لا شيء طالما الأبناء موجودون في المنازل ولا يخرجون منها فيتقبلون الأمر نوعا ما وأحيانا تؤخذ كنوع من الدعابة والتندر".

ويلفت الى أنه بالرغم من حلول شهر رمضان المبارك والذي يشكل تجربة غنية وخاصة لدى الأسر الأردنية من خلال تحضير الطعام والعزائم ولكن في هذه الأزمة تجبر الأسر على اضفاء جو البهجة والسرور وقضاء أوقات ممتعة في بيوتهم وعلى نطاق الأسرة النواة.

أبعاد نفسية

تشير الأستاذة المساعدة في علم النفس الإكلينيكي فداء أبو الخير الى ضرورة توخي الحذر بالحلاقة، وتضيف: "لا يتمتع جميع الآباء والأمهات بالخبرة الكافية لحلاقة الشعر بطريقة متقنة، وبالتالي من الضروري توضيح هذا الأمر للأبناء بطريقة فكاهية قبل الحلاقة كي لا يصدموا بالنتيجة".

تشدّد أبو الخير على ضرورة عدم جعل قصة شعر الابن اذا كان بها أخطاء مادة للتنمر أو السخرية في البيت من خلال التعليقات السلبية من قبل أفراد الأسرة بل على العكس يجب وجود نوع من التضامن بالإطراء والمجاملة.

وتلفت أبو الخير الى أن نموذج الطفل هو والده، وبالتالي لو حلق شعره أولا وتقبل النتيجة سيتقبل الابن ذاته والنتائج بشكل أكبر وسيشعر أنه ليس مختلف عن الآخرين.

وتلفت أبو الخير الى أن تقدير الذات في مرحلة المراهقة تستمد من تقييم الآخرين له ويأتي غالبا بالأمور الجسدية

والشكلية. وتضيف: "ان الشكل والشعر من الأمور الشخصية لدى الطفل والمراهق ويتعلقان بتقدير الذات والثقة بالنفس، ومن الضروري عدم تعرضهما لتصرفات سلبية لأنه اذا قص شعره بالإجبار وبطريقة مؤذية وبعدها تعرض لتعليقات سلبية فسيتأثر تقديره ونظرته لذاته، وبالتالي سيطال التأثير الى أبعد من ذلك ليصل الى مرحلة اتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات لأن لهما علاقة بصورة الجسد".

وتعدّد أبو الخير سلبيات قد يؤدي هذا التصرف إليها اذا تزامن مع أمور أخرى سلبية من قبل الوالدين: "ستتوّلد لديه حالة من الانسحابية، والتعامل مع الآخرين بطريقة عدائية، ومن الممكن أن تعلّمه التنمّر، أو أن يكون تابعا لأشخاص آخرين في خارج المنزل، أو البحث عن طرق مختلفة لفرض شخصيته ورأيه من خلالها، أو لعب دور الضحية في مكان آخر".

وتخلص أبو الخير الى أنه من الضروري ألا يكون هناك إجبار على الحلاقة، وأن يتشجع الابن على الحلاقة من تلقاء نفسه؛ لأنه سيبقى معه لفترة طويلة، وسيؤثر على نفسيته وأدائه ونظرته لذاته، حتى أن نظرته لوالديه ستتأثر اذ أن القسوة والإجبار بشكل عام يكونان بهما سلبا لحرية الابن ولحق اختياره، وطمس لمعالم شخصيته في اتخاذ قراراته وتحمل مسؤولياته. وتشجع الأسر على أخذ القرارات بتشاركية وبعد التواصل والتفاوض بشكل عام.