اظهرت أزمة كورونا العالمية ضعفا حقيقيا أو مصطنعا في دول العالم كافة، النامية كما في المتقدمة، وهذا الضعف ظهر على شكل عدم قدرة البحث العلمي على حماية نفسه، لا بل وأصبح مصدر تهديد للوطن الذي يوفر له المكان الذي يمارس به نشاطاته، و المواد الكيميائيَّة والبيولوجيَّة والنوويَّة والمشعَّة التي هي جزء لا يتجزأ من حياتنا، فهي تدعم العديد من نشاطاتنا الصناعية والزراعيَّة والصحيَّة والبيئيَّة، وفوائدها لا تُحصى، أصبحت تشكل خطراً على صحة الأفراد والبيئة. هذا إذا افترضنا ان بداية انتشار كورونا كان خطأ علميا او عملا غير متعمد. أما إذا فتحنا الباب للاحتمال الآخر وهو ان يكون انطلاق فيروس كورونا من معقله بفعل فاعل، فهذا يجعل الخطر مضاعفا إلى درجة لا يمكن تخيلها، ويجعل البحث العلمي في هذا المجال خطرا يهدد الأوطان والإنسان، لا بل ويجعل تجربة كورونا عملا تجريبيا لذوي الطموحات الشريرة في أي مكان من العالم، نظرا لتطور التقنيات بشكل مذهل، حيث يقوم العديد من الافراد والمنظمات بإساءة استخدام هذه التقنيات وتحويلها لأغراض تسيء لاستقرار المجتمعات وتهديد استقرارها وامنها.

ونظرا للإنجازات البشرية الهائلة في العلوم والتكنولوجيا، فقد برزت حاجتان ضروريتان ألا وهما:

1- مواجهة الاستخدام الشرير لمنجزات العلوم والتكنولوجيا، حيث يقوم العديد من الافراد والمنظمات بتغيير مسار هذه المنجزات إلى أغراض شريرة واستخدامها في أعمال عدائية تهدد استقرار الشعوب والدول.

2- استخدام المنجزات العلمية والتقنية في خدمة العدالة والأمن من خلال تطوير تقنيات حديثة في تعزيز العدالة وتحقيق الأمن، وخاصة في مجالات الكشف عن المواد الخطرة.

وحيث ان هناك سباقٌا محموما بين الآمنيين والأشرار لا ينتهي مطلقا، ومع تحسن القدرات البشرية والتقنية للأمن، تتحسن أيضًا قدرة الأشرار على التحايل عليهم، وتتطور التقنيات التي تستحدث أساسا في المؤسسات البحثية والتي يفترض أن تكون شريكا في السباق بحيث تسبق الفريقين في توقع المخاطر واقتراح حلول لها، والحفاظ على المواد والتقنيات التي قد تشكل تهديداً للأمن بشكل آمن ومنع وصولها لأيدي الأشرار.

إن الإدارة الأمنية المبدعة والمتميزة لأزمة كورونا في الأردن، وقيامها بالعمل كلاعب أساسي في هذه الأزمة، وهو في الأساس ليس دورها الرئيسي، أظهر ضعف الجامعات والبحث العلمي الذي يجب ان يكون فاعلا ومهما في مواجهة كورونا. فمن المفترض أن الجامعات هي المكان المناسب للبحث الإبداعي، إذ على الجامعات ان تقوم بدور فريد في دعم مواجهة المخاطر التي قد يتعرض لها الوطن من خلال تعليم وتدريب الطلاب الذين سيصبحون الجيل القادم من المواطنين المطلعين والمشاركين والعلماء في جميع التخصصات والمهنيين والقادة في جميع المجالات خاصة في مجالات العلوم الأساسية: الفيزياء والكيمياء والأحياء، والذين سيساعدون على مواجهة التحدي الهائل المتمثل في جعل الوطن أكثر أمنًا. ويفترض أن تكون الجامعات أيضًا مصدرًا للخبرة البشرية لسد الفجوة في الاداء الحكومي التقني والعلمي، ومصدرا للمشورة والمساعدة في حالات التصدي للطوارئ، كما يجب ان تساهم المختبرات الجامعية في توفير القدرات التحليلية عند انتشار وباء او حدوث اعتداء باستخدام المواد الخطرة.

وبالرغم من ان الاكتشافات الأساسية في العلوم تأخذ وقتا طويلا حتى تصبح تقنيات عمل ذات صلة بحياة الناس، إلا أن انتشار فيروس كورونا يفترض ان يغير العقلية البحثية في العالم، وفي الأردن بشكل خاص، خاصة ان تجربة كورونا علمتنا انه لا يحك جلدك إلا ظفرك، وان كل دولة ستنشغل بمعالجة مشاكلها. كل ذلك يستدعي منا البدء فورا وبدون تأخير ببرامج مرنة وإبداعية في البحث العلمي لتخصصات العلوم والهندسة الأساسية تتضمن تعقب التقنيات والمواد الحديثة التي قد يكون لها وجه شرير للاستخدام، وتوفير طرق وتقنيات لكشفها ومواجهتها، وان لا يكون هدفها كورونا، بل ما بعد كورونا، ضمن مجالات متعددة منها على سبيل المثال:

• آليات انتاج المواد النووية والكيميائية والبيولوجية والإشعاعية وطرق انتشارها، والتصدي لها، وآثارها الصحية وطرق علاجها.

• أجهزة الكشف عن هذه المواد.

• تحليل الكميات الكبيرة من البيانات

• سلوك المجتمع والافراد في الأحداث الكبرى للحصول على فهم أفضل لكيفية رد فعل الناس تجاه هذه الاحداث، وبعدها مباشرة حتى يمكن التخطيط له، والتعامل معه بشكل مناسب.

• بناء شبكات طاقة ذكية وقابلة للتكيف.

• الروبوتات لتكون بديلا للبشر في المواقف الخطرة.

• الأنظمة الحاسوبية الآمنة.

حيث ستؤدي القدرة البحثية الأساسية الهائلة الموجودة في الجامعات دورًا رئيسيًا في تعزيز فهمنا في التخصصات الحرجة، وتأكيد الحاجة إلى برنامج لتنمية الموارد البشرية يهدف إلى تحقيق زيادة مطردة في التخصصات العلمية في الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا وعلى كافة المستويات، من البكالوريوس إلى الدكتوراة، في مجالات تتماشى مع أولويات الوطن طويلة الأجل لأبحاث تعزز وتضمن الأمن وحماية الوطن من مخاطر العلوم والتقنية.

وهذه أمثلة وليست هي الإسهامات الوحيدة أو الأكثر قيمة التي يمكن أن تقدمها مؤسسة بحثية ابتكارية حيوية. ويمكن اعتبارها إشارة مهمة على أن مجتمعات البحث العلمي تستطيع المشاركة في هذه الجهود والجهود المماثلة لها بمساهمات حاسمة في وضع الأساس لحماية الوطن من مخاطر العلوم والتقنية والأسلحة الحديثة مثلها مثل القوات المسلحة والأجهزة الامنية. لا بل المطلوب من مجتمع البحث العلمي حماية القوات الأسلحة والاجهزة الامنية من خلال تقديم المشورة والنصح في مستجدات العلوم والتقنية التي قد تحول عن مسارها، ومن أجل أن تزيد برامج البحث من وتيرة الاكتشاف وفعالية تقنيات مكافحة الأشكال الجديدة من الاعمال الشريرة.

وختاما فقد كشفت تجربة كورونا عن عدد من عوامل القوة وعوامل الضعف، وهذه بحاجة للتقييم من جديد، وإعادة تقييم التهديدات ذات المنشأ التقني والعلمي، واخذها بشكل جدي بعيد عن الاعتزاز بانتصار قصير المدى وتفوق آن، وان تؤسس هذه التجربة لعمل مستمر لحماية الوطن من اخطار كثيرة لا نراها ولا نتوقعها، ولكن يجب ان نبحث عنها كما نبحث عن أي منفعة او فائدة تحقق رفاهيتنا، وان يساهم المجتمع البحثي فيها بشكل فعال وأن يكون شريكا استراتيجيا في حماية امن الوطن من مخاطر يساهم هذا المجتمع نفسه في انتاجها.

خبير في الأمن النووي والحماية من الإشعاع