م. سامر المجالي



(1)

فنجان قهوتك ذو النِسَب المعلومة يشعرك بالسعادة.. القهوة الشقراء كذا، والسمراء كذا، ومعهما قليل من الهيل.. إذا اختلَّ هذا الميزان تحسُّ بالقرف، وتشعر بالاشمئزاز. الإحساس جسدي، والشعور روحاني.. ما من حاسة يسهل وصول الأذى إليها مثل حاسة الذوق، وأختها حاسة الشم، الأخريات يمكنهن الاحتمال أكثر.. وتلك القهوة التي أُجبرت على شربها ثلاثة أيام متواصلة كانت عذاباً مقيما؛ جبلٌ من حبات الحلو لم يكن قادرا على استئصال القرف منها.

(2)

طقوس إفطارك الصباحي لم تتغير كثيرا إلا شيئا واحدا؛ كنت تراقب ذرات الخبز، ولا تسمح لها بأن تضيع منك. يجب استغلال كل مورد. مذ كنت مدخنا تعودتَ أن وجبة الإفطار تعني كسرة خبز، وشيئاً من غموسها، وكوب شاي. هذا هو الحد الأدنى الكافي جدا. هذه المرة كاد ينفد مخزون "ميداليات" الشاي.. اضطُررت إلى إجراء حسابات دقيقة فعلمتَ أن المخزون يكفي لأربعة أيام على أقصى تقدير. قررت أن لا تلقي الميدالية في القمامة إلا بعد استخدامها مرة ثانية.. هذا سيضاعف المخزون حتما. تضحك من نفسك حين تتذكر تلك العلب الخشبية من الشاي التي أهداها لك أصدقاء جاءوا من الصين أو سيلان.. الصين!! كل شيء يعبر عن نفسه بمنتهى الطرافة والتطرف.

(3)

يحب الرجل كل أنواع الطعام التي لم يكن يحبها حين كان صغيرا.. تصبح الخبيزة هبة قدسية، والباذنجان المقلي قصيدة شعر، أما شوربة العدس فحورية من حوريات الجنان.. "وخير جليس في الحصار شوربة عدس" راودتك هذه العبارة كثيرا أثناء تلك الأيام.. في مثل هذه الظروف، أنت لست فقط تحب الطعام الذي كنت ترفضه في صغرك، بل إن أي طعام يكتسب صفة القداسة عندك.. غريزتك تجعلك عاقلا، ومتسقا مع سنن الطبيعة.. نحن أطفال يفسدهم الدلال، ويقومهم التأديب.

(4)

رغم ذلك، ليس الغنى في البساطة ولا في الترف، وليست السعادة فنجان قهوة ولا إفطارا طيبا ولا منسفا فاخرا.. الغنى في أن لا تكون لك حاجة.. في ذهاب الجسد، وفناء احتياجاته، واكتفائك بالروح التي هي من أمر ربك.

(كاتب أردني)