أبواب - وليد سليمان

في بحثه القديم والفريد من نوعه والذي ظهر الى النور في منتصف سبعينيات القرن الماضي «ملامح الحياة الشعبية في مدينة عمان» فقد وثّق د.عبدالله رشيد الكثير حول تلك الحالات الشعبية التي كانت تسود مدينة عمان في الفترة من أواخر القرن ١٩ وحتى منتصف القرن ٢٠.

ومن تلك الإضاءات الشعبية ما تطرق اليه كانت عن أصحاب الطريقة والكرامات في عمان قديماً حيث أشار الى:

الشيخ صالح البيطار

فالشيخ صالح البيطار هو من مواليد الشام, وحين هاجر إلى عمان عمل فيها بيطاراً–حَذَّاء خيول- وكان يقوم بوظيفة (المسحر في شهر رمضان).

وقيل قديماً أنه بالرغم مـا أشيع عن صالح البيطار من أنه صاحب كرامة- لأنه دخل أحد الأفران ومكث في بيت النار وخرج منه كأن لم يسمه ضر- فقد كان كان الناس يتعاملون معه على أنه رجل بسيط، وذلك لما كـان يتصف به من حالات النزق وعدم الاحتمـال!!.

هذا ويمكن الاعتقاد أن الناس في عمان كانوا يكرمون مثل هؤلاء الأشخاص فقط عند موتهم.. فمظاهر التكريم هي مجرد ذكر الشخص والتسلي بحكاياته التي أشيعت عنه.. فتكريم الشيخ صالح بدأ يوم وفاته.

وقد تحدث الشيخ محمد المصري للباحث رشيد بقوله: أن الشيخ صالح البيطار جاء إليه قبل وفاته بيوم واحد وطلب منه أن يقوم بتغسيله عند وفاته هو بالذات!! لأنه متيقن من موته!! ويقول الشيخ المصري: وفي اليوم التالي توفي الشيخ صالح وقـمت بتغسيله، وتم إحضار جثته إلى الجامع الحسيني لإقامة صلاة الجنازة عليه.

إلا أنه حدثت مفاجأة عندما حاول الناس حمل النعش إلى المقبرة، إذ إن النعش إلتصق بالأرض!! ولم يقدر أحد على رفعه!! وكان أصدقاؤه من الدراويش حاولوا الدخول إلى المسجد وضرب الدفوف والنحاسـيـات فـوق رأسه فمنعتهم الشرطة.

وبما ان الجنازة استعصت على الحمل فاضطر قائد الشرطة «حكمت مهيار» أن يسمح للدراويش بالدخول، ولما باشروا ممارسة أناشيدهم واستعمال آلاتهم استطاع الناس حمل الجنازة.

ويتذكر الباحث د. رشيد بقوله: لقد أكدَّ لي هذه الرواية جدي الشيخ «محمد الرشيد العورتاني» الذي كان حاضراً هذه الحادثة.

وهذه الظاهرة لم تترك أثراً ملموساً على الناس في مدينة عمان في ذلك الوقت!! ولم تلتصق بالشيخ صالح قدسية خاصة, إنما تردد ذكره كرجلٍ تقي.

الشيخ عمر سكسوك الشركسي

والشيخ عمر سكسوك هو من مواليد عمان عام ١٩٠٠ وكان من سكان سفح «جبل القلعة» المطل على شارع المحطة مقابل شركة الكهرباء القديمة، وقد توفي مطلع السبعينيات.

وكان الشيخ عمر يقوم «بالفتاحة» أي الكشف عن حظ الإنسان بواسطة الكتابة على الورق.

ويروي الباحث د. رشيد: لقد شاهدت الشيخ عمر بنفسي عام ١٩٦٦ , إذ كان زائروه يجلسون في ساحة بيته في فصل الصيف, ويقوم الرجل بأخذ كل حالة على انفراد تماما كما يفعل الطبيب، ثم يسأل الشيخ زائره عن اسمه واسم أمه, والغاية التي من أجلها جاء- بلغة عربية ركيكة- ثم يبدأ بخط كتابته والتي هي عبارة عن رسومات غير مفهومة!! وبعد أن ينتهي منها في عدة أسطر يقوم بقراءة حظ الإنسان والكشف عما جرى له في الماضي وما يمكن أن يجري له في المستقبل.

ولم يكن الشيخ يطلب أجراً, إنما كان الزائر يضع في جيبه بضعة قروش، لكن الشيخ كان يتقاضى أجراً عن الحالات التي تستوجب كتابة الحُجب.

ويقول بعض الذين عاصروا الشيخ سكسوك أنه كان صادقاً في كثير من الحالات عندما يفتح طالع الإنسان!! خاصة عندما يصف ظروف الزائر ومحل إقامته.

وكلنت السيدة فضة ارشيد البدوي قد قالت للباحث:

أنها ذهبت لتفتح عند الشيخ عن حظِ ابنتها!! فقال لها: لقد بنى زوجها بيتاً بجانب مغارة, ولو ابتعد عن المغارة لكان أفضل له!! وتضيف السيدة البدوي: لقد كان صحيحاً ما قاله الشيخ عن البيت والمغارة.

ثم تقول: ذهبت جارتي المرحومة حبسة العقرباوي أم رشدي إلى الشيخ سكسوك وطلبت منه أن يفتح لها عن شخص–على اعتبار أنه حي–فسأل عن اسمه واسم أمه.. ثم نظر في وجهها قائلاً: إنك لم تصدقيني القول!! فصاحب الاسم ميت وليس حياً!!.

الشيخ الفقير

يقع ضريح الشيخ الفقير ضمن عمارة البوريني في أول «جبل الحسين» مقابل كلية الحسين الثانوية في حي القلعة, وهو ضريح قديم يستقر في إحدى المغارات هناك.

وقد عرفه سكان المنطقة منذ أوائل القرن الماضي, وكان الناس (وما يزالون- أي في فترة نهاية القرن الماضي) يزورونه ويتبركون به بقراءة الفاتحة على روحه, وتقديم النذور والهدايا من سجاجيد الصلاة والشمع والبخور.

وتروي لطيفة البوريني أم علي للباحث قصة هذا الضريح بالقول: إنها سمعت هذه الرواية من امرأة شركسية (أي قبل نحو 100 عام من الآن) إحدى ساكنات جبل القلعة.

فقد كانت هذه المرأة الشركسية قد افتقدت ولدها مدة طويلة!! ورأت ذات ليلة في منامها رجلاً يسلم عليها, ويعرفها بنفسه, ويقول إنه يُدعى محمد, وأنه متوفى ويرقـد على سطح الأرض في مكان ما... من سراديب جبل القلعة!!.

وأنه إذا قامت المرأة بإحضاره ودفنه في إحدى مغارات وادي القطر في القلعة (وادي القطر هو الشارع الذي يمتد من قبالة كلية الحسين إلى أعلى السطح المطل على وادي الحدادة, وقد سمي القطر كما تقول الراوية البوريني بسبب وجود مغارات منتظمة قرب بعضها هناك تشبه تقاطر الجمال وراء بعضها البعض في مشيها) فإنه سيبشرها بعودة ولدها المفقود!!.

ولم تعبأ المرأة الشركسية الرؤيا وأخذت الأمر على أنه مجرد أضغاث أحلام، إلا أن الرؤيا تعاودها فتستيقظ من نومها وتصحب معها بعض أقاربها إلى سراديب القلعة الموصوفة في المنام, وتفاجأت هناك بوجود رجل مستلق على ظهره وإلى جانبه عصاه، فتأخذ الجثة وتقوم بدفنها في المغارة الموجودة الآن. وبعد أيام يقرع عليها الباب فتفتحه وإذ بها تنبهر بعودة ابنها المفقود إليها!!. ومنذ ذلك اليوم تبدأ قدسية الرجل الميت بعد انتشار الخبر في مدينة عمان، فيتقاطر الناس إلى زيارته والتبرك به وتبدأ مرحلة جديدة في تقديس القبر وتقديم النذور له من ذبائح وسجاجيد وخِلافه.

وتضيف البوريني أنها شخصياً عاصرت قدسية هذا الضريح, بسبب مجاورتها له.. حيث قام زوجها ببناء حجرة فوقه ليتسنى للزوار إقامة الصلاة فيه, ومن ثم للإقامة بقربه بعض النهار, لذبح الذبائح أو ممارسة أي تقليد حسب طبيعة النذر.

ومن اللافت بالأمر أن المؤسس المغفور له الملك عبدالله الأول كان يزور هذا الضريح في بعض أيام السنة.. إذ يقف موكبه ويقوم الجنود بتوزيع الألبسة والنقود على بعض السكان هناك.

كذلك كـان الدراويش (أصحاب العدة) يزورون الضريح ويضربون الدفـوف حتى سنوات متأخرة، ومع مرور الزمن قل اهتمام الناس بضريح الشيخ الفقير, ولم تعد حجرة المغارة تفتح عليه إلا بضع مرات في السنة.

ويستطرد الباحث د.عبدالله رشيد:

وعلى ما يبدو فإن قصة الشيخ الفقير قد نسج عليها الخيال الشعبي الكثير.. حتى وصلت إلى ما تحدثت به المرأة سابقاً.. وفي رأيي أن الناس في الماضي كانوا يقدرون الأمر الغريب, ويحيطونه بكل أشكال التكريم من باب الشفقة.

ولربمـا كان هذا الرجل الفقير غريباً وُجد ميتاً فدفنه بعض المشفقين وأسبغوا عليه هذا التكريم منذ زيارة قبره.. حتى تحولت زيارته والتبرك به إلى هالة من التقديس, التي يتصف بها بسطاء الناس.

ومن جهة أخرى فإن الخوف من المجهول كان عاملاً من عوامل تفخيمه.

الشيخ رویزق

وكان الحاج حمد الدبوبي قد تحدث للباحث عن الشيخ رويزق بقوله:

إنَّ الناس قديماً قد سمعوا بكرامات الشيخ رويزق في «جبل النظيف», فقد كان بعض حجاج بيت الله الحرام يشاهدونه بينهم يؤدي مناسك الحج!! بينما كان في الواقع لم يبرح بيته في مدينة عمـان!!!.

وقد كان الشيخ عبد الرزاق كما يقول السيد رضا توفيق: يعيش في مغارة يزوره الناس فيها, فيقوم بتكريمهم بتقديم قطع من السكر.

وما يلفت النظر أنَّ الشيخ رويزق صـام عن الكلام في أواخر أيامه!! وقد سمع به الملك المغفور له «عبد الله الأول ابن الحسين» فجعله موظفاً بلا عمل في إحدى قطعات الجيش القريبة من القصر.. فكان الشيخ يقوم بإيقاظ الجنود لتـأدية صلاة الفـجر بضرب قطعة نحاسية كانت مثبتة بيده, تخرج صوتاً له نغمة ظاهرة.

كما أن الملك عبد الله الأول قام ببناء جامع في المكان الذي كان يعيش فيه رويزق, وما يزال حتى الآن يعرف بجامع رويزق، على سفح جبل النظيف في التلة المقابلة–لمبنى أمانة عمان الكبرى الآن في «رأس العين».

شيوخ آخرون

- «الشيخ ياسين القطّان» هو والد المرحوم إبراهيم قاضي القضاة الأسبق وهو من مواليد الشام, وكان يعالج أمراض التواليل, ونقص إدرار الحليب عند المرضعات بقراءة شيء من القرآن الكريم, ومع ذلك لم ينظر إليه إلا أنه رجل تقي وحسب.

- «الشيخ نمر الطهراوي» من مواليد سحاب, وقد عاش فترة طويلة في «وادي سرور» بعمان, ثم رجع إلى مسقط رأسه في بلدة «سحاب» قرب عمان, وقد توفي هناك في أواخر السبعينيات.

وكان الشيخ الطهراوي قد اشترك مع الدراويش بضرب العدة وحـمل الدف، وعمل (مسحراً في شهر رمضان) واتخذ من نفسه واعظاً.

- «الشيخ عبود الضمراوي» من مواليد القـدس عام ١٩١٠ وقد توفي عام ١٩٨١, وكان يسكن «جبل الأشرفية» بعمان، وقد قام الباحث بزيارته في بيته آنذاك, وكان الضمراوي يقوم بكتابة الحجب, ولا يستعين بشيء غير القرآن الكريم, لمداواة المرضى المصابين بوجع الرأس والدوخة والحالات العصبية، لكن الشيخ كان يحتفظ ببعض الكتب الصفراء التي قال عنها أنه لا بد من الاستعانة بها لمعرفة أصول كتابة الحُجب.!!.