ويهلّ علينا فصل الربيع بألوانه وأطيافه بعد شتاء طويل بارد بامتياز بمظهره، خيّرا بجوهره أغنى السدود وفجّر العيون..

إلا أن ربيع هذا العام وحيد غاب عنه المحتفون متقوقعين ببيوتهم يناجونه عن بعد بسبب جائحة ماكرة اتجنّب الحديث عنها جاعلة من مقالي هذا مقالا ربيعيا بامتياز..

فمن يعشق الورد فليحتمل وخز أشواكه ومن يرغب بتذوق ثمار الصبّار الحلوة -التين الشوكي- فليقطفها بحذر متجنبا وخز إبَرِه، إذن فالحكمة مطلوبة وكذلك الصبر وتحمل الشدائد هي بمثابة دروس وعِبَر تلقّنها لنا الطبيعة..

تداعت هذه الأفكار أثناء تجوّلي بين ورد من هنا وصبّار من هناك ترمقهما عن بعد سجادة حمراء من شقائق النعمان ..فالصبر للأسف صفة لم تعد موجودة بقاموس الأجيال هذه الأيام «فشعارهم كنْ فيكون»!

نحن اكثر صبرا من الأجيال عندما كنا بنفس سنّهم لاننا تربينا ونشأنا على ذلك وشاهدنا اهلنا مثالا يحتذى بالصبرعلما بأن «بعض» الشبيبة الحاليين تربوا على هذه الصفة الضرورية التي ستنفعهم هم أنفسهم قبل غيرهم.

.. وصدق العلي القدير بقوله: «وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وإنّا اليه راجعون».

الصبر لا يعني ان نجلس قاعدين منتظرين «وبصبر شديد» طاقة الفرج فالصبر عمل ومواظبة واتباع القوانين والالتزام بالمعايير بقولنا وفعلنا وعملنا وسلوكنا.

فنبتة الصبار مثلا تتحمّل الجفاف والعطش بالصحراء القاحلة كما انها تنقذ الهائمين على وجوههم بإطعامهم لو تقطعت بهم السبل بالصحاري والقفار.. ويقصدها المتنزهون بالجبال لتناول ثمارها الحلوة نازعين قشرتها الشوكية بحيطة وحذر.

فما احوجنا الى عجن الصبر بمزايانا لنخرج سالمين غانمين من اي نفق مظلم يعترض دربنا، فالأمم التي خرجت من هزائمها واوبئتها لم تصل الى نجاحاتها إلا بالصبر على العمل الشاق والشدائد ومن طلب العلا سهر الليالي.

وتتمايل بالقرب شقائق النعمان بخفة ودلال تحت أشعة الشمس بينما يعلو طنين النحل حولها متنقلا بكل همة ونشاط ، فتذكرت على اثرها قصة بيئية توعوية كتبتُها للأطفال منذ ثماني سنوات بمجلة وسام للأطفال -خرج النحل ولم يعد- نتيجة تقلص اعداد كبيرة من النحل بالعالم الى الحد الذي اختفى تماما من بعض الأماكن نتيجة لتعامل البشرية الجائر مع الطبيعة فهجّ النحل او نفق تماما..

ويحاول العالَم وضع حد للتعسف البيئي بأنواعه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر قمم واتفاقيات ومعاهدات بيئية كمعاهدة كويوتو للحد من انبعاث الأكسدة المضرة واستبدالها بصناعات رفيقة بالبيئة فوقّعتْ عليها الدول قاطبة ما عدا الولايات المتحدة واضعين بذلك الأرباح قبل الأرواح ضاربين بكل التوصيات البيئية بعرض الحائط..

والنتيجة تشكيلة من كوارث بيئية شهدها العالم وبكثافة لاختلال ميزان الطبيعة ليهبط علينا اخيرا بالباراشوت «فيروس كورونا» دون ان يستثني احدا! فإن لم نتعلم من هذه الجائحة الكورونية فلا أمل في الإنسانية على الإطلاق!

حاولت تجنّب ذكر كورونا بمقالتي ولكن كل حلقة تقود للأخرى وهذه هي النتيجة تكمن بالفصل الأخير في «كتاب التوحش اللاإنساني» نتيجة ثقافة الداعس والمدعوس التي للأسف يتبناها الكثيرون.. حول العالم!

hashem.nadia@gmail.com