أبواب - زياد عساف

«امسك بالمقصقص ليجيك الطيار.. إن جار عليك الزمن جور على ذراعك.. حجر داير ولا سبع نايم»، مقتطفات من أمثال شعبية يرددها غالبا العاملون بالمياومة، وفي مهن متعددة تعكس طموح وكفاح هذه الفئة واصرارها بالوصول لحياة كريمة مستقرة، مع الأخذ بالاعتبار لاهميه دورها بالمساهمة في رفد عجله الاقتصاد في اي بلد، فبصمتهم حاضرة دوما فيما نشاهده من إنجازات في القطاعات الانشائية والصناعية والسياحية وغيرها.

مسؤولية

ومع انتشار وباء كورونا وتوقف معظم القطاعات عن العمل، تصدرت قضية عمال المياومة الواجهة، ونالت القسط الأكبر من الاهتمام على الصعيد الرسمي المحلي والعربي. وبات الحديث عن اعداد خطط ودراسات تبعث على التفاؤل وضمن أطر وتنظيمات تدعم العاملين بهذا المجال.

هذه المهمة ليست مسؤولية المؤسسات العامة والخاصة وحدها، ويتطلب ان يعود دور الكلمة والصورة في مثل هذه الحالات، فالاجدر ان تبقى قضية العمال حاضرة دوما في عالم الفن والإبداع كما هو متبع بالعديد من دول العالم.

فرضيات

في البداية لاضير من استعاده.

بعض الشخصيات التي ادت دور عامل مياومة في السينما، ونتساءل ماذا كان سيحل ب هنومه (هند رستم) بائعة المرطبات بفيلم باب الحديد لو عاشت في زمن كورونا، وكذلك كيف سيكون حال فني الخراطة محمد حسن (احمد زكي ) بفيلم النمر الأسود، ومن يشعر مع السائق (عبد العزيز محمود) في تأمين قوت يومه بفيلم (تكسي الغرام) ٠

هذه النوع من الفرضيات يجب أن يضعه السينمائيون باعتبارهم لأن السينما في الماضي (مع بعض الاستثناءات) خذلت جمهورها في هذه القضية، ولم يحظ العامل وقضاياه بالاهتمام الذي يستحق، من حيث الصعوبات التي يواجهها، واستحداث القوانين التي تنصفه ودوره على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.

الفقر جميل

الكاتب والصحفي ناصر عراق وفي مقال له بهذا الخصوص لامس هذه الإشكالية ويعزو هذا التقصير لارتباط قضية العمال بذهن الكثيرين بالفكر الاشتراكي، ما قد يؤدي بتوجيه الاتهام لصناع هذه الأفلام بترويجهم للشيوعية انذاك، من هنا تجنبوا التعمق بهذه القضية، وجاء مضمون اغلب الأعمال هشا بعيدا عن القضية الأساسية، وكانت الجريمة الأكبر التي اقترفتها السينما العربية بشكل عام بتصوير الفقر على أنه شيء جميل، وفي الوقت نفسه فإن طبقة الاغنياء تزخر بالفساد وانعدام القيم، والغاية من ذلك أن يستسلم العامل الفقير للواقع ويسعد بما هو عليه كون الغنى مجلبة للضياع.

واحد الامثلة التي تؤكد ذلك مونولوج (الفقر جميل) الذي أداه اسماعيل ياسين بفيلم( صاحبه العصمة)، ومنه نستقطع المذهب :

«الفقر جميل وانا انسان

طول عمره الفقر مهنيني

اللهم افقرني كمان

اللهم اغني عدويني».

شد الحزام..

الغناء كان أكثر تماسا مع احلام عمال المياومة وقضاياهم قياسا بالسينما، والاسباب كثيرة منها ان نسبة كبيرة من مطربي زمان بدأوا حياتهم كعمال مياومة وامتزجت ألحانهم بعرق العمال فكانوا الاصدق بالتعبير عن الواقع والاشكاليات التي يعانيها اصحاب هذه المهن.

فنان الشعب سيد درويش في بداياته كان عامل بناء، ومن هنا فهو اهم من تغنى بعمال المياومة، وغني للشيالين (شد الحزام على وسطك.. غيره ما يفيدك)، وعندما تم تأسيس شركه للمياه وخسر السقايين مصدر رزقهم خفف عنهم باغنيته الشهيرة ( يهون الله.. يعوض الله ع السقايين.. دول شقيانين م الكوبانية)، وفي اغنية ( الجرسونات) احتفل مع أصحاب هذه المهنة عندما اسسوا نقابة ترعى مصالحهم.

فتى الأحلام..

ومع بداية مرحلة الستينيات وتماشيا مع شعارات هذه المرحلة بابراز قيمة واهمية العمال وعامل المياومة خاصة ودورهم في بناء السد العالي، قدم الثلاثي المرح (وفاء وصفاء وسناء) اغنية (حبيبي عامل بيومية)، وهي على لسان فتاة تتغنى بفتى أحلامها العامل باليومية وزميلها بالمهنة، روعة وجمال الاغنية ان هذا الحب زاد من إنتاجهما بالمصنع كما تقول كلمات المقدمة:

«حبيبي عامل بيومية.. وانا زميلته الصبحية.. الحب جمع أفكارنا.. إنتاجنا زاد بالوردية».

وتتابع غناءها بتعبيرها عن الإعجاب بثقافته وانتمائه لقضايا بلده واخلاصه بعمله، وتختتم الأغنية :

«ايه أجمل من اني احب.. عامل من عمال الشعب».

وهذا بحد ذاته اعتراف باهمية هذه الطبقة من الشعب ما يمنحها الاحساس بقيمتها في المجتمع.

ونال عامل اليومية نصيبه من الغزل أيضا عندما غنت شريفة فاضل للنجار (حبيبي نجار.. شغله ع البكار)، وللحداد بصوت غادة محمود ( يا يما ولفي حداد.. ومن عزمه لان البولاد) ٠

ولم تغفل الاغنية العربية قدرات وذكاء العامل بمواكبته للالات الحديثة في المصانع، مثل اغنية (دور يا موتور.. ياللي بتلعب أعظم دور) لليلى مراد، و(يا حلاوة الايد الشغالة) لشريفة فاضل ايضا.

أرزاق..

مفهوم الرزق من منظور ديني يبقى حاضرا في ذهن العمال، وهذا ما يلمسه المستمع باغنية لعبد الحليم مطلعها ( خلي اتكالك على مولاك.. واضمن راحتك بعد شقاك.. واعمل زي ما قاللي وقالك.. أسعى يا عبد وانا أسعى معاك)، وفي ذلك أيضا لم ينس فريد الأطرش انه عمل موزع اعلانات ليساعد والدته واشقاءه في صباه وغنى للعمال ( خليها على الله..مشيها ويالله).

يا شفير..

باستعراض هذا النوع من الأغاني قلما نجد صاحب مهنة لم يحظ بهذا التقدير ومن بينها وعلى لسان ماسح الاحذية بصوت نصري شمس الدين ( بويا بويا.. شغلة ومنا شغلة)، وألحان أخرى ل المكوجي والحلاق والخياط، بالاضافة للسائق الذي تعاطف معه عبده موسى مسبقا في كيفية تأمينه لثمن البنزين وقطع الغيار عندما يعود لعمله قريبا ان شاء الله وازره بالغناء :

«يا شفير وين موجه.. دربك وعر وطلوعي.. عبي البنزين من دمي.. والبراغي من ضلوعي».

مدرسه الحظر..

ويبقى الأهم ان بفترة الحظر الجزئي والكلى التي نعيشها الآن بتنا نلمس مظاهر ومشاهدات لم تكن تستوقفنا قبل ذلك، كالاعشاب الخضراء التي اخذت تنمو على الصخر والأسوار وهذا لا يحدث عادة الا في أجواء تخلو من التلوث البيئي كما يحدث الان بفعل توقف عمل المصانع والمركبات وما ينبعث منها من غازات عادمة.

وما هذا المشهد الا رسالة تبعث على التفاؤل بأن أصحاب القلوب الخضراء سيتصدرون المشهد الثقافي بعد هذه المحنة مع اقتراب اندثار التلوث السمعي والبصري وما خلفه من اغان واعمال ادبية وسينمائية مفسدة للاذواق كادت ان تنهي هذه الاجيال، الا ان الدروس والعبر التي خلفها هذا الوباء ستهزم هذا الانحدار، وستجعل للكلمة المعبرة حضورها وللالحان الجميلة روادها وللصورة الحضارية تأثيرها، بعد أن يعيد الكثيرون حساباتهم في مناحي الحياه كافة، انها مدرسة الحظر يا سادة.