الدكتور عامر العورتاني

أخصائي علم الاجتماع


بيت الشجرة الآمن، الجري على الشاطئ، اللعب مع الأمواج، حياة تملؤها المغامرة، ويقودها الفضول، هذا ما شكلته القصة الشهيرة لعائلة روبنسون كروزو في وجدان الطفولة عن الحياة في الجزيرة المعزولة، لكنّ للعزلة في زمن اجتياح الكورونا قصة أخرى.

ففي ظل تدابير مواجهة الفيروس وجد أطفال هذا الزمان أنفسهم عالقين في بيئة غير متوقعة، وهم يواصلون الترقّب على أمل أن يتلاشى هذا الموقف الذي حملهم على مغادرة مقاعد الدرس، وحدائق اللعب، وأجبرهم على البقاء في المنزل إلى أجل لا تبدو ملامحه بالأفق القريب ؛ فصندوق تجاربهم خال تماما من كل ما من شأنه أن يبدد علامات السؤال والتعجب التي تدور في عقولهم حول أسباب هذا الاضطراب الذي بعثر روتين حياتهم، وألقى بجدول يومياتهم خارج السياق المناسب ؛ فلماذا لا يستطيعون الذهاب للمدرسة ؟ ولماذا يمنعون من اللعب خارج المنزل ؟ ولماذا لا يذهب الوالدان للعمل ؟ ولماذا توقفت زياراتهم لبيت الجدين ؟ ولماذا لا يزورهم أحد من الأقارب ؟ لماذا تدوي صافرات الإنذار يوميا في السادسة مساء ؟ ولماذا تشبه الأيام بعضها ؟ ما هو كورونا ؟ ولم كل هذا التعقيم ؟ كلها وغيرها الكثير من التساؤلات التي ما تنفك تطرق مخيّلة الأطفال في زمن الوباء والعزل والحجر والحظر.

كثيرة ومؤلمة تلك المشاعر التي تهاجمهم من خلف الضحكات وبعض اللعب، وأمام كل هذا الغموض المغلّف بالقلق والخوف يحتاج الأطفال إلى الكبار من حولهم لفهم أسباب تغيّر سلوكياتهم، وفهم المشاعر التي تنتابهم، إنهم بحاجة إلى أن يتعلموا طرق التعبير عنها بشكل صحيح، لذا فإن الحديث عن الفيروس وماهيته الطبية، والخطر الذي يشكله على الحياة أمر لا بد منه، وإلاّ فإن الأهل لا يدركون حجم وشراسة الوحش الذي يعتقد الأطفال بوجوده في خزانة ملابسهم، والذي تتفنن خيالاتهم البريئة في تصور مهاجمته لهم في الظلام، لذا فإن تقديم المعلومات المتعلقة بأسباب بقائهم في المنزل وكل ما يتعلق بتبعات ذلك في قالب يتناسب وأعمارهم، يهيئ الفرصة لدمجهم في إجراءات المواجهة من خلال تعليمهم طرق الوقاية، وأساليب العناية بالنظافة الشخصية، وهي فرصة لترسيخ هذا السلوك في ذاكرتهم ليرافقهم إلى ما بعد الأزمة، كما أن وضع الطفل في صورة تطورات الحدث يسمح له بأن يدرك الواقع، ما يسهل عليه عمليّة التكيّف عبر ما يبديه من مرونة نفسية، لا سيما إذا ما قدمت له المعلومات في قالب تربوي ممتع يغذي شغف الأطفال للعب والمرح، الأمر الذي يستدعي حرص الوالدين على إخفاء قلقهم ومشاعر الضغط التي يتعرضون لها عن الأبناء، وممارسة الكثير من النشاطات معهم في فرصة لتعزيز صورة العائلة، وإعادة الاعتبار لها في تربية الأبناء.

وإنّ أكثر ما يفتقده الطفل رغم طبيعته العبثية في غياهب العزلة الوقائية ؛ الجدول الزمني الذي كان يساعده على التمييز بين الأيام والفعاليات، ويعينه على التنبؤ بالمجريات، ما يبعث فيه الشعور بالأمن والطمأنينة، الأمر الذي يحتّم على الوالدين رغم الإقامة المتواصلة في البيت، ترتيب مجريات اليوم وفق مواعيد نوم واستيقاظ ووجبات ثابتة، كما يفضل إشراك الأبناء في تحمل بعض مسؤوليات العناية بشؤون البيت، في اطار من اللعب والتنافس، ما سيساعد على بناء جسر من التواصل الروحي بين أفراد العائلة، ويعزز الانتماء لها، ويطوّر أنماط اتصال الأطفال بمن حولهم، ويكسبهم مهارات حياتية جديدة، وينبغي الابتعاد عن صيغة الأمر في مخاطبتهم، أو اللجوء إلى تعنيفهم لما يترتب عليه من آثار نفسية تضاف إلى ما يعانونه بالأساس جرّاء كبح جماح طفولتهم، وكبت رغبتهم الطبيعية في الجري والصراخ.

وعلى مبدأ ربّ ضارّة نافعة، فإن الفيروس أوجد فرصة حقيقية لمن كانوا يتذرعون بمشاغل العمل وضيق الوقت ومنحهم هدنة مع الحياة، لتسويغ التقصير في بعض تفاصيل تجربة الأبوة التربوية، فأكثر ما يتوفر في حضرة الوباء هو الوقت، الوقت الذي يمكن خلاله للكثير من الآباء والأمهات الالتفات لكثير من الجزئيات الخاطئة في سلوك أبنائهم وكيفية تفاعلهم معها، والعمل على تقويمها بهدوء وعفوية عبر النقاش الدافئ مع المراهقين منهم، أو اللعب المفيد والمشاركة المتبادلة مع الصغار من بينهم، والأهم أن يدقق الكبار في سلوكياتهم ؛ فالاقتداء والتمثّل لطالما كانتا أنجح أساليب التربية والتقويم.

وريثما يتمكن أفراد الأسرة من التناغم مع معطيات العزل، فإنه ينبغي الحذر من الوقوع في فخ شبكات التواصل الاجتماعي والتي تمثّل عزلة أخرى داخل العزلة، إضافة إلى كونها تشكل في بعض ما تقدمه مصدرا لإثارة القلق بما تبثه من معلومات، وأخبار وإعلانات، يشوب الكثير منها الكذب، وعدم المسؤولية، ناهيك عمّا تفرضه من مسافة غير آمنة للعلاقات بين أفراد الأسرة، والفرصة مواتية لمساعدة المراهقين بشكل خاص لتعرّف كيفية تمييز المصادر الموثوقة للمعلومات، وتعلّم إدارة الشاشات الذكية بصورة صحيحة، والعمل على إيجاد بدائل للتواصل تعوّضهم جزءا مما افتقدوه بالانفصال عن أصدقاء المدرسة.

وحتى لا تصل الأسرة إلى نقطة الاحتراق بنيران الإنهاك الناتج عن العزل وفقدان الإتصال الاجتماعي ، فإن على جميع أفراد الأسرة مواصلة الجهد في إيجاد الأدوات المعينة على التعامل مع الأزمة وإدارتها داخل اطار الإدارة الرسمية لها، وهنا فإن بعض الأطفال قد يستجيبون للإرهاق الذي تسببه العزلة بطرق تخالف المتوقع، فقد يسيئون التصرف، ويكثر ميلهم للتمرد والغضب، وقد يعبرون عن قلقهم ومللهم جراء طول فترة العزل في صورة التعلق أكثر بالأبوين، كما أن فرط الحركة، والميل للتصرفات الطائشة، وسرعة الغضب، وزيادة المتطلبات قد تمثّل رسائل تعبر عما يمرّ به الطفل أو المراهق من تقلبات مزاجية ناتجة عن التغيّر غير المرغوب في الموقف، ما يستدعي الكثير من ضبط النفس من قبل الوالدين، وتفهّم مشاعر الأبناء، ومعالجة الحالة بالكثير من الصبر، والكثير من النقاش الهادف حول مشروعية ما يمّرون به، وتسليمهم مفاتيح التعرف أكثر إلى ما يخالج نفوسهم من مشاعر، وتحفيزهم للسيطرة عليها من خلال آليات مفيدة ونافعة، بما يضيف إلى خبرتهم الكثير من القيم والمهارات.

ولعلّ في تجربة التعليم عن بعد مثالا على إمكانية التكيّف مع المتغيرات التي فرضتها إجراءات مواجهة الوباء، فقد تمكّن الفيروس القاتل من إبعاد الملايين من الطلبة حول العالم عن مؤسساتهم التعليمية، ما جعل التعلّم المرن بديلا للتعليم التقليدي خلال الأزمة، الأمر الذي شابه بعض الارتباك في الأوساط التي تخوض التجربة للمرة الأولى، إلاّ أن الخطوة تثبت جدواها كإضافة قيّمة للعملية التعليمية مع مرور الأيام، فالطلبة في الغالب أصبحوا أكثر تكيّفا مع الصيغة الراهنة، الأمر الذي يمكن استغلاله لتفعيل استخدامات التطبيقات الرقمية خارج نطاق التواصل والترفيه، ووضع الأطفال والمراهقين في بيئة تدفعهم لاستخدامها كوسيلة للتعلم، والتعلم الحر، وتطوير المهارات، ما يستوجب العمل على الاستمرار في تطوير بنية منظومة التعليم عن بعد وفق معايير تقييم عالية لضمان الجودة، إضافة إلى إعادة ترتيب مقاييس القدرة والكفاءة لتتمكن من استيعاب الفضاء الواسع من القدرات الذهنية، والمهارات العقلية المتنوعة للطلبة.

إنّ متطلبات المرحلة القادمة في ظلّ التغيرات الاقتصادية المتوقعة، واحتمال امتداد التأثر بمفرزات الأزمة، تتطلب من بني البشر إعادة النظر في ألف – باء العلاقات الإنسانية للتمكن من البقاء، والمحنة المتوقعة أعقاب الوباء ستستهدف مناعة الجسد الاجتماعي، ما يجعل الأطفال الفئة الأكثر قدرة على التفاعل مع معطيات المرحلة القادمة في ضوء الخبرة التي تشكلت خلال الأزمة، فإنّ قدرتهم على ضبط ما يحدث تفوق التصورات، وهم يشكلون الرجاء ببداية جديدة لعلاقة الإنسان مع المحيط الشامل على كوكب الأرض، فالحياة ستمنح الإنسان فرصة بعد أن يعيد اكتشاف امكانياته الحقيقية، وينجح في صياغة معادلة اتصاله بالكون وفق تصور شمولي، دون اعتبار للفوارق والمسافات، وبعيدا عن الأنانية والنهم في استنفاد مقدرات الأرض، وإن ما سيكتسبه جيل المستقبل خلال العزل، سيكون مفتاحا للخروج إلى الحياة مرة أخرى، فهم جيل اختبر الحرب، والوباء، والأزمات، وهم الأقدر على تقدير قيمة الحياة والعلاقات، ستكون قوانينهم نابعة من انتمائهم لقيمة الوجود، وسيعتمدون على انضباطهم الداخلي في إدارة صلاتهم بكل معطيات الحياة.

فلنصنع من أحداث الأزمة وتفاعلاتها فتات خبز نمنحه لأبنائنا اليوم، فيعينهم على الاهتداء لمعالم طريق العودة إلى حيث تكمن الغايات السامية من الوجود، وإلى حيث يتحقق السلام والأمن، في عالم لا نواصل فيه تكرار أخطاء الماضي.

Dr.amer.awartani@gmail.com