عبدالله المتقي - (كاتب من المغرب)

"قرية بوتيرو"، هو اسم المجموعة القصصية التي صدرت مؤخرا للكاتبة التونسية لمياء نويرة بوكيل، في حلة جميلة من القطع المتوسط، وتضم اثني نصا جاءت كلها بنفس سردي طويل، فرضته أسباب النزول والحالة الانسيابية التي كانت عليها القاصة وهي تنكتب، وهذا يعني أنها مرشحة بامتياز لكتابة نص روائي.

إنّ أول ما يلفت المتلقي في هذه الباقة القصصية الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" بعمان (2020)، هو العنوان الذي جعلته القاصة رأس حربة نصوصها، وهو نفس عنوان القصة الأخيرة من المجموعة، فعنوان "قرية بوتيرو" جاء جملة اسمية، يغيب عنها الفعل كبنية دالة على شرط الزمان، وهو ما يجعل دلالة العنوان متجهة صوب الاستمرارية والانسياب، كما يحيل مباشرة إلى مجال الفن التشكيلي "بوتيرو" اسما للفنان التشكيلي الكولومبي والعالمي، ثم إلى المكان المقيد بـ "القرية"، مما يثير لدى القارئ رصد المستوى الاختياري للعنوان.

وفي تفسير النص لعنوانه نقرأ: "وسرعان ما أحس بأنه بدأ يفقد أنامله شيئا فشيئا، لحظة كان يدور بصره في لوحاته الخاوية من عناصرها، وورشته التي صارت شبيهة بقرية أطلال تبكي هجر سكانها". وبعد هذا، نقف عند ورشة "بوتيرو" المتحولة إلى فضاء مهجور وهياكل من اللوحات والأطلال، مما يثير لدى القارئ فضولا لمعرفة حكاية هذا التحول، ويفتح أمامه قراءة المجموعة واستنطاق قصصها بقصد القبض علىى هذا الوهج الدلالي لموضوعة التحول في أحشائها.

وعليه، تصدح المجموعة بمواقف مختلفة تجاه جملة من التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، تضمنتها نصوص قصصية طويلة، واقعية ومتخيلة في الآن نفسه، حاولت القاصة من خلالها التقاط تفاصيل الحياة اليومية والهامشية للمواطن في ظل هذا الزمن الذي شهد الكثير من المتغيرات والانتقالات، وهكذا نعثر على موضوعات قريبة من الإنسانية من جهة علاقاتها بالمحيط من حولها.

ونقرأ في قصة "شركس" حيث التحول من وضع موجع وجارح إلى أخر مريح: "حين ظهرت تباشير الصباح كانت شادية قد أتمت جمع أغراضها، وأضافت حقائبها إلى حقائب هاجر المعدة للسفر وأسرت في نفسها: ها قد حان موسم الرحيل.. غاليتي ستسافر لتعانق بهجة الحياة، وأنا سأرحل لأرتاح، فنا عاد في عمري متسع للوجع والخيبة". ولعل البحث عن الحقيقة وراء هذا القرار، هو رحيل القط "شركس" بسبب تعنيف زوجها المتوحش، ثم إدمانه السكر. نقرأ في القصة نفسها: "سارع المخمور بنزع حذائه، وبحركة عدائية انتزع الغطاء عن الصندوق وهوى على رأس شركس المسكين يهشمه".

بهذا المشهدين السرديين تكون القاصة قد شخصت موقفا اختياريا يتمثل في الهروب من وضعية عدائية، إلى وضعية بديلة تجلب الراحة والهدوء. وفي القصة إعلاء لقيمة العلاقة بين الإنسان وما حوله من كائنات.

وفي قصة "كرمة شهلة"، يحضر التحول، لكن هذه المرة بموقف موغل في ذروة الإنسانية، حين ترفض "شهلة" التحول إلى ماكينة للإنجاب لأجل مشغّلة زوجها "سميرة": "اسمع يا هادي، أنا مهما اشتد بي الفقر والجوع وابتليت بكل مصائب الدنيا وعللها لن أفرط في أولادي، أموت جوعا ولا آكل يوما من ثديي".

وعليه، تكون "شهلة" قد جسدت الرفض القاطع لرسملة جسدها وتبضيع ذريتها، ومن ثم تحويلها إلى آلة لصناعة للمنتوجات البشرية: "أوليست هذه الشجرة هديتها؟ أليست سيدتك تنظر بعين الطمع إلى ثمرها؟".

وفي قصة "جسد"، ثمة تحول يشبه زغاريد الموت، فـ "مارية" لم تستسغ زواجها وارتباطها الشرعي برجل يكبرها سنا: "ومن قاع الذاكرة، قفزت إليها صورة يد الحاج علوان الجمل، مشغّل أبيها وعريسها الموعود، تلك اليد الغليظة التي كانت تلوح لها بكيس الحلوى، أبان كانت طفلة". لذلك تنتقل "مارية" بالعرس والأفراح إلى مأتم ملطخ بالحزن والأتراح.

هكذا إذن، تولد المرارة من الحزن، وينبعث الموقف من الاغتصاب الرمزي، ويحصل التحول من الحياة صوب الموت/ الانتحار: "قالت بصوت لا تردد فيه: وإن مات هذا الجسد، أشرف له أن يكون طعاما لقرش من أن يكون قربانا لجمل".

وفي سياق هذه التحولات وحرص القاصة على التقاطها بذكاء، نقرأ في قصة "قطفة حبق": "يا ربّي، يا ربّي، يا صاحب الحقّ، خوذلي حقّي منهم، يا ربّي راني هجاّلة مسكينة، ونْعيل في كمْشة أيتام". في هذا الشاهد النصي احتجاج ومطالبة بحقوق ضاعت حيفا وظلما، ومن تحتها، تصوير عميق للاحتيال الذي يمارسه بعضم باسم السياسوية الانتهازية والمناسباتية لحاجة في نفس ضمائرهم الخائبة والخائنة :" قال أحد المحتشدين بتهكم: "هاهاها، هاذُمْ جماعة الانتخابات واضح، وبلا أدنى شكّ قالوا لك الحلّ بإيدينا، نعملو لك جراية شهريّة وبطاقة علاج مجانيّة، وتولّي مواطنة عندك قيمة واعتبار".

وفي قصة "ثالثا وأخيرا"، تفكر القاصة في قضايا الكتابة أو ما يسميه الدرس النقدي الحديث "الميتاقصصي"، حيث تكسر القاصة التمييز القائم بين الإبداع والنقد، وتفتح الباب للقصة كي تتأمل ذاتها، كما في هذا المشهد الذي يواجه من خلاله الممثل المؤلفَ المسرحي: "أيّها الكاتب الظالم، أنت أخرجت رفاقي من المشهد؛ لأنّك تحبّ أن تحطّم كلّ ما نسجه صبري وأناي المعذّبة، أن تدمّر ما بناه عذابي وحقّقه ألمي الرهيب، كيف تفعل بي ذلك؟ أنا مِن غيرهم عارٌ أمامك تفعل بي ما تشاء. أنا من دونهم أضيع بلا عودة ولا موضوع ولا حدود".

وبخصوص التبنين الجمالي في المجموعة، حرصت القاصة في صناعتها القصصية على مكون الوصف الذي يشغل حيزا واسعا، ويتساوق واللحظة السردية التي تروم القاصة إظهارها بتقنية سينمائية بقصد إبرازها مثلما تسليط الكاميرا القصصية على الإنسان: "هذا الرجل الممتلئ ذو الطول الربع، واليدين الطويلتين، والوجه اللوزي بخدود تميل إلى الاستدارة، والشفاه المكتنزة الممتلئة بالكلام".

ومثلما يحضر الوصف، يحضر الحوار لتشييد مسارات السرد ويضمن الجدل والتحاور بين القوى الفاعلة لقصص المجموعة. وفي هذا السياق، يؤدي الحوار وظيفتين، الأولى أيديولوجية تتمثل في مواقف واختيارات الشخصيات بالموافقة أو المعارضة، وثانيهما تعبيرية تتمثل في إمكانية الحوار على شخصنة مرسل الخطاب.

ويستثمر الحوار جمالية الشفوي بقصد التقاط دقيق للأشياء والانغراس في الجدلية الاجتماعية، وتنشيط فعل التلقي. كما تستثمر القاصة محزونها الأدبي والتراثي العربي والعالمي من خلال المقتبسات التي تفتتح بها كل قصصها وهي لأسماء ورموز مثل كافكا، ومحمود المسعدي، وبرنارد شو، ومي زيادة، ومظفر النواب، وجبران خليل جبران، وبيكاسو، وغسان كنفاني، ومحمود درويش. مما يعني أن القاصة دخلت عالم كتابة القصة القصيرة بخلفية معرفية، ولم تسقط بالمظلة على أراضيها صدفة وفضولا.

ويتم توظيف السرد المرئي، خاصة في قصة "قرية بوريتو"، من خلال القاموس اللغوي الذي يحضر بقوة (سوريالي، لوحة، الألوان، فرشاة، ريشتك، اللون، الحجم، تمثال، ورشة) والذي يوحي بانفتاح القصة وتفاعلها مع فنون جمالية تعبيرية أخرى. ويتكرر الأمر أيضا في قصة "ثالثا وأخيرا" التي تفاعلت مع فن المسرح.

يمكن عد هذه المجموعة إضافة للمشهد القصصي العربي بصيغة المؤنث، من خلال التقاط الكاتبة للتحولات التي شهدها محيطها المحلي والكوني، ومن خلال انفتاحها وتعريتها لواقعها الذي يحبل بقضايا ومتغيرات تتطلب تدخلا من شأنه الارتقاء بالذات الفردية والجماعية من هذا الكائن الذي ليس على ما يرام ولا يطاق، إلى الذي ينبغي أن يكون، ويجب أن يكون قريبا أم بعيدا.