د. شروق أبو حمور

«المكتوب قد لا يكون واضحا من عنوانه»

على عكس ما نعتقد وتعلمنا في حياتنا أن «المكتوب واضح من عنوانه» فإنه ومن خلال تجربتي مع تلك المريضة «سارة»، تعلمت أن بعض المرضى، و هم كُثُر في حياتنا، و كذلك أسرارهم وخباياهم، هي كالكتب المبعثرة والتي لم يحسن المؤلف غزل قصتها، واعطاءها العنوان المناسب، فكم قرأنا كتباً وعناوين لا تمت للمحتوى والمضمون وقلب الكتاب بصلة؟

«سارة» مريضةٌ تبلغ من العمر «١٢» عاماً، أُدخلت لقسم الأطفال، وكان السبب الرئيسي لدخولها، هو تعرضها لتسمم بسبب استنشاقها للغاز أثناء وجودها في «دورة المياه» وبقائها لفترة طويلة دون أن يشعر بها أفراد الأسرةِ حسب ادعاء الأب، وبسبب ذلك فقدت بصرها وأدخلت للعلاج وتقديم العناية الطبية المناسبة.

عند جولتي في قسم الأطفال، كانت إحدى الحالات التي شاهدتها أثناء مروري هي تلك المريضة، ولَم يكن هناك أي ملاحظةٍ تُركت من قبل الفريق الطبي لي من أجلِ المتابعة.

ما لفت نظري في تلك الطفلة، هي الطريقة التي تبدو بها، وشعرها المقصوص تماماً كالصبيان بطريقة غير منظمة،وكأنها نالت نوعاً من العقاب والتعذيب بتلك الطريقة!

ولَم أكن قد أكملت تجميع المشهد وفهم تفاصيله.

كانت مستلقيةً على السرير وحدها، وسألتها من يرافقها، فقالت لي أن أمها منفصلةً عن أبيها، ولَم تعلم ما حصل لها بعد، وأن أبيها سيحضر بعد إنهاء عمله، وزوجة أبيها مشغولةً بأعمال المنزل. وبعد قليل حضر أخوها والذي يبلغ من العمر«١٧»عاماً وكان هو من يرافق المريضة «سارة».

بدأت تساؤلاتٌ وعلامات استفهام كثر تدور في رأسي، وبدأت علاقتي المهنية بالطفلة تتوثق، وكنت مدركةً بأن محتوىً غير العنوان يلوح بالأفق، وبدأت أسرار الحكاية وما وصلت اليه المريضة تنكشف.

كانت تلك الطفلة تتصرف تصرفات لا ترضيْ أبيها، وزوجته، في منزلٍ تنعدم فيه الرقابة، ويعج بالفوضى وانعدام الاهتمام، ولا يرعى الخصوصية بين الإخوة، ولتصرف الطفلة تصرفا لم يعجب الأب قام بعقابها وضربها، وحرمانها من المدرسة، وقص شعرها تشبهاً بالصبيان، وبعد ذلك قام بحبسها في دورة المياه، ولغضب الطفلة وتعبيراً عن ذلك قامت بفتح جرة الغاز أثناء حبسها وعقابها.

قمت بإجراء اللازم واخبار الفريق الطبي والاداري، واتباع الأنظمة والقوانين، وتبليغ مديرية حماية الاسرة، والتي تفاجأت بأن الطفلة لها ملفٌ لديهم وأنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيه للعنف والاساءة، وبدأت الطفلة وخلال ايّام متتالية بالتحسن، وتواصلتُ مع امها وأبيها وزوجة ابيها في جلسات إرشادية علني أصلح ما كان، وأعدل ما سيكون، بالاضافة لتلك الجلسات المكثفة من أجل الدعم والمساندة، وتعديل السلوك.

ذهبتْ مغادرةً المستشفى بعد أن أنهت علاجها، ومنها أيقنت بأنه:

- ليس كل من كُسرت ساقه قد تعثرت خطاه، فقد يكون أحدهم من جعله يتعثر.

- ليس كل من شرب دواءً بجرعة زائدةٍ، كانت تلك الجرعة خطأ.

- ليست كل من أجهضت وفقدت جنينها قد تعرضت للسقوط بسبب الضعف وإعياء الحمل.

سارة حملت قصة لا تتناسب والعنوان فعنوان الدخول كان: «الاختناق» وتفاصيل القصة كانت » عنفا، واهمالا، وضربا، وعراكا».

احذروا العناوين فالكثير منها مزيف.