يطلُّ عيد الفصح هذا العام والعالم بحاجة إلى قيامة، وهذه السنة نتأمل بوجوه الناس التي في البيوت تصلي ضارعة إلى الله العلي أن يرفع «الحجر» عن باب الإنسانية فيشرق فجر حياة جديدة. نتأمل في أحداث القيامة، في أحداث الفصح، فنجد أن حجراً كبيراً كان قد أغلق باب القبر وكان الظن بأن هذا الحجر لن يزاح أبداً وسيبقى هذا الرقاد أبدياً. إلا أن عيد القيامة يحمل اسمه معه، وإذا بالحجر قد زيح عن باب القبر، وإذا بالسرور قد انتشر في قلوب التلاميذ الخائفين المذعورين والمغلقين أبواب العلية على نفوسهم.

هذا ما تحتاجه البشرية اليوم، أي إلى من يبشرها بأنّ «حجر» كورونا - أو الوباء أو الجائحة - سوف يزاح. نعم البشرية نائحة، والسبب هو الجائحة، لكن عيد القيامة الذي يطل اليوم ليس مدعاة إلى اليأس والقنوط بل إلى الرجاء، وإلى الحلم بغد مشرق يكون فيه الفرح عنوان الرجاء الذي ستعيشه البشرية بإذن الله.

في هذا الصباح، صباح العيد نترحم على أرواح الموتى والراقدين سواء الذين قضوا بسبب كورونا أو بغيره، تعدّدت الأسباب والموت واحد. ومن المؤسف فعلاً في هذه الأيام ألا يتاح للناس أن تودع الراقدين والراحلين. وذلك إتباعا للتعليمات العالمية والمحلية. لذلك دعونا نترحم على كل الذين رقدوا ولم يستطع أقاربهم أن يودعوهم، في ايطاليا وفي اسبانيا وفي فرنسا وفي أميركا حيث يوارى الثرى عدد كبير من الضحايا (شهداء هذا الوباء)، دون أن يتمكن أحبتهم من طبع قبلة الوداع على جبينهم.

وثانياً هي دعوة إلى الصلاة من أجل شفاء المصابين والمرضى، وهذا طبعاً من شيمنا ومن عاداتنا في فترة الأعياد أن نصلي من أجل كل من لا يستطيع القدوم إلى الصلاة في بيت الله في هذه الفترة، وكان في الماضي بسبب المرض أو السن المتقدمة. ونحن نعرف بأن هذا العام متميز وفريد من نوعه حيث لم يتح للناس أن تأتي إلى «قداس العيد»، لذلك ندعو الله أن يحفظ الذين صلوا في بيوتهم وبقيوا فيها آمنين، لاتباع ارشادات أولاً الدولة القوية والصلبة والتي وقفت تدافع عن كرامة الإنسان وحياته المشرقة في هذا الوقت، وكذلك لاتباع تعليمات الكنيسة التي قالت: ابقوا في بيوتكم ونحن ننقل الصلاة لكم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر القنوات المتلفزة، وهكذا كان.

وثالثاً لم تغب عن كنائسنا هذه الأيام الصلاة من أجل أن يحمي الرب جميع من يعملون من أجل الإنسان والإنسانية، ورفعت الصلاة من أجل قيادتنا الهاشمية الحكيمة بقيادة سيد البلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم الذي أطل عدّة مرات على مواطنيه، وخاطبهم بالأبناء، لكي يُحيي فيهم القوة والصمود والثبات وعدم الاستكانة وعدم الاستسلام لليأس، وإنما أحيت كلمات جلالة الملك (مثل إنتو قدها، شدة وبتزول) أبلغ الأثر في نفوس السكان فرُفعت معنوياتهم وبقيوا متمسكين بتعليمات الجهات المسؤولة.

والشكر الموصول للحكومة والجيش والأمن وكافة العاملين أيضاً في المجال الصحي -أو في الحقول الصحية- الذين وقفوا في الصفوف الأمامية وعرّضوا نفوسهم لخطر العدوى والإصابة، لكنهم ظلوا أمناء على رسالة الطب ورسالة الصحة ورسالة التعافي. وهذا ما يشجع كل انسان على تحمل المسؤولية وعلى البقاء أميناً على رسالته التي شقّها في الحياة بالرغم من صعوباتها ومن تحدياتها ومن مخاطرها ومن مزاليقها.

عيد الفصح هذا العام يحمل بشرى الخير والطمأنينة للنفوس والضمائر، ويدعو إلى التضامن وإلى العطاء وإلى المحبة، ولقد صام المسيحيون في هذه السنة أربعين يوما، ولم يغب عن بالهم أن يقدموا الغالي والرخيص في سبيل الإنسان وبخاصة الإنسان الفقير والإنسان المحتاج والإنسان الذي ازداد عوزه في هذه الأيام نظراً لعدم تمكنه من الذهاب للعمل، وبخاصة عمال الأجر اليومي (المياومة). لذلك قامت كاريتاس الأردن ومعها مكتب الرجاء التابع لمطرانية اللاتين في الأردن، بالإضافة الى عدد من الأفراد والرعايا أو الكنائس، بتوزيع عدد من المعونات التي أوصلوها إلى مستحقيها من الفقراء والمحتاجين.

وأخيراً وليس آخراً، تتلاقى أيام الفصح المجيد مع أول خيوط الفجر لرمضان المبارك، لذلك تختلط المشاعر هنا، وأوجه رسالة تهنئة للمسيحيين المحتفلين بالفصح المجيد وكذلك لإخوتنا المسلمين الذين يستقبلون شهر رمضان برجاء وأمل متجدّدين. ونقول كل عام وأسرتنا الأردنية الواحدة والمتضامنة والمتماسكة بخير، كل عام والإنسانية جمعاء بخير، وان شاء الله يُعيد الرب هذه المناسبات وقد تحرّرت البشرية من «حجر» ووباء الكورونا وغيرها من الشرور.

Abouna.org@gmail.com