جاءت كورونا جالبة معها الداء لتحثنا على البحث عن الدواء للنجاة من هذا البلاء بأقل الخسائر الممكنة من الأرواح مؤجلين الأرباح لأننا أمة ما زالت تؤمن بأننا «كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى»..

كورونا جعلتنا نعيد حساباتنا على المستوى الفردي والجمعي والوطني والعالمي فكورونا لا حدود لها فما تكاد تنضب من جهة حتى تنبع بجهة اخرى..

مشاهدات عدة وتجارب نمرّ بها بعصر كورونا أشبه بمحطات نتوقف عندها اخترت منها محطّة الديمقراطية لسببيْن: فردي وجمعي.. على المستوى الفردي: فأنا/ وأعوذ بالله من كلمة أنا/ أنتمي إلى تلك الفئة المجبولة جينياً وتربوياً بالديمقراطية من حيث الإيمان بالعدالة والمساواة واحترام الرأي الآخر والعمل بروح الفريق الواحد فخرّجتني بمحصلة من التواضع السلوكي والعملي دون التقليل من الثقة بالنفس والاعتزاز بها بعيداً عن الغطرسة والغرور..

صحيح أن هذا الأسلوب الديمقراطي من جهتي قد اكسبني ثقة المحيطين بي واحترامهم ولكن على المدى الطويل خسرت نتيجة التنازل عن رأيي ايمانا مني بمصلحة الأسرة الواحدة وفريق العمل الواحد... الخ تنازلت عن رأيي بالرغم من صوابه لأجل عيون الديمقراطية التي آمنتُ وما زلتُ أؤمن بها، مع أنني خسرت أمام غالبية «لا ديمقراطية"!

إذ كيف تنفع الديمقراطية مع مجموعات المعارَضة من اجل المعارضة لكونها لا تقبل بالرأي الآخر نتيجة تربية نشأت عليها ضخّمت ذاتها الفارغة المضمون مقنعة إياها بأن التنازل عن الرأي يجرح الكرامة ويهينها..

والمضحك المبكي انه بعد مرور الزمن تبرهن الأيام بأن رأينا/ رأيي/ كان هو الأصوب بحينها

- أما على المستوى الجمعي فقد استفدنا من الديمقراطية بالأردن بعودة الحياة الديمقراطية بعام 1989 والمتمثلة بمجلس النواب الحادي عشر الذي لا زلنا نترّحم على ادائه نتيجة قانون انتخاب «متعدد الأصوات» أفرز مجلسا سياسيا «متعدد الألوان» يشرّع ويراقب بموضوعية تتوخى المصلحة العامة، وما تراجُع مستوى أداء المجالس المتتالية الا نتيجة «قانون الصوت الواحد» وإن تعددت اشكاله لكنه بقي «أحادي المضمون»..

علاوة على أن البعض يخلط بين «الفوضى والديمقراطية» قولا وفعلا وسلوكا معتقدين بأن الحرية التي تضمنها لهم الديمقراطية تؤهلهم لتجاهل الآخرين قولا وفعلا وسلوكا متناسين مرجعيتها» المتمثلة بتنتهي حريتك عندما تبدأ حرية غيرك» والجميع سواسية أمام القانون..

و جاءت كورونا لنضبط التسيّب ونؤطر تجاوزات ومخالفات «اللاملتزمين» لمقاومة وباء يتحكمّ بالبقاء والفناء وفق نسبة الالتزام. وهنا فقط بدأنا نشعر بثقل وهيبة الدولة لنجاحها بمكافحة الكورونا عبر فرض قرارات حازمة تعاقب مخالفيها بالحال وبدون تأخير مما يجعلنا نتساءل: أيهما الأفضل لنا الديمقراطية ام الشمولية؟.

برأيي المتواضع ما أحوجنا إلى نشر «ثقافة الديمقراطية» مع تطبيق قوانينها «العادلة الحازمة» على الجميع بالتساوي وذلك بالخروج بقانون انتخاب عصري ديمقراطي يضمن وصول نواب يمثلون الأمة ويسعون للمصلحة العامة.. وكفانا تأجيلاً فلنفتح الأدراج الطافحة بصيغ متعددة لاختيار القانون الأمثل!

وشكراً كورونا: فقد أعدت الأمور لنِصابِها..!

hashem.nadia@gmail.com