د. شروق أبو حمور

" أسرار"

" ما لا يكشفه الطيبون في حياتهم، سنعرفه بعد مماتهم"

جميلة مريضة كانت تبلغ من العمر ٦٥ عاماً، و تعاني من الفشل الكلوي عندما بدأت متابعتها، وعند بداية علاقتي المهنية بها في قسم غسيل الكلى، وكانت قد قطعت في جلسات الغسيل ٩سنوات، "متزوجة" ولا يوجد لها أبناء.

"عاقر" كان لقبها عند زوجها عندما كان يتقصد إهانتها، تعيش وزوجها فقط، وهو من كان يصطحبها للمستشفى، فهو عاطلٌ عن العمل وكان يستمد قوته وموقعه الاجتماعي من ضعفها ومرضها، وكانت تراجع المستشفى بمعدل ثلاث مرات اسبوعيا.

كان يدعي الحب والإخلاص والتضحية لينال شفقة واهتمام العاملين والمحيطين "لجميلة" من أجل العلاج، وكان يلعب دور الحمل الوديع والذي أفنى سنين عمره من أجل زوجته ومتابعة علاجها، ولكنني كنت أستشعر دائماً بتلك العاطفة المزيفة.

بدأت علاقتي بالمريضة والتي استمرت لست سنوات، أزورها واتابعها باستمرار، و خلال جلوسها على كرسي العلاج،

كنت استمع لتفاصيل حياتها ومعاناتها، مع ذلك الزوج وسوء معاملته لها. تحدثني عن معاملته التي بسببها كرهت حتى إلقاء السلام عليه، وفِي كل مرةٍ استمع لمعاناتها كان حقدي عليه يزيد، فتارةً تصف لي "جميلة" كيف كانت تشعر بالعطش وتتوسل للزوج الفاضل بأن يسقيها شربة ماء ولكنه يرفض ويقول لها: "اسقي يا عاقر نفسك" فتضطر ان تذهب حبواً للمطبخ لعدم قدرتها على المشي!

كانت تأتي وعلامات الضرب والإساءة تظهر على محياها، رغم عمرها ومرضها، وكانت تضعني بين نارين، نار ما تحملني له من حديث مؤلم استشعر به، ونار الصمت لثقافتها فهي تعتقد بأن عملي فقط بأن استمع لها لا أكثر.

كانت تقول لي عند طرح الحلول لها: "ارحمي كبرتي يا بنيتي وين بدك تشحطيطيني بهالمراكز تالي عمري؟"

فلا أخ ولا ابن أخ ولا ابنة اخ يستقبلها، ودائماً تردد" خلي هلبيت ضابني بين ما الله يوخذ وداعته".

واعتصر قهراً وأصمت، وأحاول التواصل مع زوجها لأقدم النصح والإرشاد الاسري بطريقة غير مباشرة، ويبدأ نفاقه بشرح تفاصيل اهتمامة وفهمه لاحتياجاتها النفسية ومراعاتها.

ومضت الأيام وتوفيت جميلة بعد صراعها مع المرض وقهر زوجها، ولأول مرةٍ فرحت وحزنت لوفاة مريضة وذلك لاعتقادي بأنها ذهبت لمكانٍ أفضل يخلو من الذل والحاجة.

ومضت أيّام العزاء، واذا بزوج المريضة قادمٌ ليكمل مسرحيته التي اعتاد أن يمارسها باحتراف!

جاء ليقول لي ولهم "سامحوها"

وما كان مني إلا أن صارحته وأفهمته ولمته وأطلعته على أسرار جميلة والتي كان يعتقد أنها ماتت وإياها، وخاطبته اخيراً:

"أطلب من الله أن يسامحك، بدل من أن تطلب من عُباد الله ان يسامحوها"

وهكذا فضح الأموات أسراراً اعتقد الأحياء بأنها ماتت وإياهم.

" حبلُ الكذب قصير وحتى الأموات وهم تحت التراب يكشفونه"

ويمضوا...........