الدكتور عامر العورتاني

تذهلك براعتها وهي تعمل بانسجام تام في ضبط إيقاع الحياة ، إنها المايسترو الذي يقف خلف تلك النغمات التي تعطي للإنجاز البشري سموّه ، تغالب الدنيا وفي الوجدان كثير من الأمنيات ، تحترف التغلب على " الأنا " فتعلو بانسجامها مع النشوز من حولها ، لتثير الذائقة بألحان عجيبة ، إنها المرأة بكل ما تضجّ به المفردة من صخب يثيره غموضها ، وهي الكائن الذي يعطي للتفاصيل سحرا وللوجود حجة البقاء .

وفي ظلّ الكورونا تعيش البشرية نشوزا مرعبا ، فهو يقبع خلف كل الأحداث ، فارضا هيمنته على كل المجريات ، حاملا البشرية على خوض امتحان حقيقي لكل ما احتفلت به لعقود من قيم الحضارة والمدنيّة ، وفي المعركة الشرسة مع الفيروس تتقدم المرأة الصفوف الأمامية مع الرجل في ميادين الطب ، والتمريض ، والأمن ، والإعلام ، والإدارة ، ... إلخ في اطار جهود مواجهة الكارثة ، ليتكيّف البعض منهنّ مع الحدث الطارئ بالعمل عن بعد ، أو الاستسلام لفقدان مصدر الرزق وهي المعيل الوحيد في ظل إجراءات الوقاية ، ويتعاظم دورها وتتهالك عليها الضغوط في ظل تدابير الحجر المنزلي ، فالشك يدفعها للمزيد من التنظيف والتعقيم ، والحرص يقودها للعناية بصحة أفراد العائلة ومشكلاتهم التي أفرزتها ظروف محاربة الوباء ، إلى جانب اهتمامها المضاعف بتولي متابعة دروس وواجبات الأبناء وامتحاناتهم والتي باتت مسؤوليتها بشكل كليّ في ظلّ قرارات إغلاق المدارس وانتهاج سياسة التعليم عن بعد ، ليتخلل ذلك همومها المضافة في كيفية إدارة شؤون البيت الاقتصادية بما يتناسب وظروف حظر التجوّل ، إنها جميعا أدوار اعتادت القيام بها لكنها تجابهها اليوم بحجم مضاعف وظرف ضاغط ، و في أجواء يخيّم عليها الحزن ، والترقب ، والغموض ، والخوف من القادم المجهول ، ما يقدمها لتكون ركيزة الأمان ، ومصدر الثقة والفرح لضمان سلامة الأسرة واستقرارها ، والحال ولا شك أشدّ فتكا بها في بعض المجتمعات التي تتخللها ظروف الفقر ، والحروب ، والعمالة غير المنظمة ، أو تدني مستوى الخدمات الصحية في مناطق تعاني بالأساس من وطأة الأوبئة والمرض .

بالرغم من اتساع الخطوات التي خطتها البشرية في سبيل النهوض بحقوق المرأة وحرياتها ، وترسيخ مكانتها في المجتمع ، إلاّ أنّ الظروف الطارئة من كوارث كالحروب والأوبئة ، تكشف في بعض المجتمعات أن المرأة لا زالت طرفا هشّا ، إذ لا زالت الأزمات تلقي بثقلها الأكبر على كاهل المرأة المثقل بالأساس ، ففي ظلّ ما يحتمل أن تخلّفه أزمة الكورونا من حالة اقتصادية مبهمة ، فإن بعض النساء يرزحنّ تحت أنقاض من الخوف على مصادر إعالتهنّ وأسرهنّ مع تصاعد احتمالات ارتفاع نسب البطالة ، ما سيدفع ببعضهنّ إلى سوق العمل غير المستقر ليعلنّ أسرهنّ دون ضمانات أو حقوق ، ولن تكون النساء من صاحبات المشاريع الصغيرة والمتناهية في الصغر أقل معاناة في حال ضعف التمويل ، وغياب الدعم ، وهيمنة ظروف تنافسية قاسية .

ومع بقاء الأزواج فترة أطول في البيت في اطار الحجر المنزلي ، وانصراف مجهودات الدول وكافّة مؤسساتها نحو احتواء أزمة الجائحة وآثارها ، فإن بعض البيوت أصبحت أكثر خطرا على النساء اللواتي يتعرضنّ لممارسات العنف الأسري ، ليضاف ثقل آخر إلى جسدها ونفسها وهي في عجز حتى عن الشكوى ، والصورة مرشحة للمزيد من القتامة مع توقعات تداعيات الأزمة الاقتصادية .

لطاما أثبتت المرأة أنها ملاذ حقيقي للصمود في أوقات الطوارئ ، فقد كانت الممرضة في ساحات المعارك ، وحلّت محلّ الرجل في مختلف المهن والصناعات وأعمال الترجمة ، والإتصالات ، خلال الحربين العالميتين ، لتبدأ من هناك قصتها مع المساواة وإثبات الكفاءة القيادية ، والإنتاجية ، والإدارية ، والقدرة على إحداث الفارق في المجتمع ، ما يبرهن على أن الجهد المبذول في مواجهة الأزمات والظروف الإستثنائية لن يكون ناجحا إذا ما رافقه تجاهل لأهمية المرأة في إدارة الأزمة ، وأن هذا الجهد سيكون مبتورا إذا لم يراع النوع الاجتماعي في تحديد طبيعة الاحتياجات التي تتعلق بالمرأة خلال الأزمات ، ومراعاة خصوصية نتائجها عليها في ذات الوقت ، ففي الوقت الذي تشكل فيه النساء والأطفال أغلب ضحايا الكوارث الاجتماعية والطبيعية ، إلاّ أنهنّ نجحنّ غالبا في التصدي للعقبات وأمسكن بزمام الأزمة وقدن المبادرات لتقديم الدعم والرعاية ، غير آبهات بالخطر المحدق بحياتهنّ .

واللافت في خضمّ كارثة الكورونا ، أنّ العالم لم يخط بعيدا عن " اطار عمل هيوغو " حين أقرت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة خطته العشرية عام 2005 ، والتي هدفت إلى جعل العالم أكثر أمانا في مواجهة المخاطر الطبيعية ، ودمج المنظور الجنساني في برامج مكافحة الكوارث ، اعتمادا على أنّ النساء يشكلنّ نصف عدد السكان المتأثرين بالكوارث ، وها هو فيروس الكورونا يجتاح القارات ليبرهن على أن الكوارث لا تفرّق بين البشر ، لكنّ المؤكد أن كيفية تفاعل النوع الاجتماعي مع الوباء مختلف تماما ، وأنّ آثاره ليست ذاتها على المرأة والرجل ، فالكواليس في أغلب المجتمعات تكاد تكون خالية من السياسات التي من شأنها مراعاة احتياجاتها ، و التخفيف عنها ، وحمايتها ، واستثمار قدرتها في القيادة والمبادرة خلال الأزمات .

إن المجتمعات على اختلاف ثقافاتها وأحوالها الاقتصادية والاجتماعية ، ينبغي أن تتخذ من جائحة 2020 نقطة انطلاق نحو التحوّل من التطلع إلى سياسات أكثر فاعلية في حسن الاستجابة في ظروف الطوارئ ، إلى تنفيذ تلك السياسات ، وإن الفاعلية والعمق في التطبيق لن يتحقق طالما كان هناك قصور في المساواة بين الجنسين ، وطالما استمر التغاضي عن خصوصية المرأة وطبيعة احتياجاتها في ظروف الكوارث ، وطالما بقيت الخطط قاصرة عن الاستغلال الأمثل لقدرات المرأة في الحدّ من المخاطر ، والمقصود بالمساواة هنا ليس فقط العمل على معالجة قضايا المرأة ، وإنما الكفّ عن التعامل مع المرأة وكأنها ظرف طارئ مستهلك للحلول ، فالمطلوب معالجة اهتمامات الرجل واهتمامات المرأة ، بما يضمن إدارة العلاقة بينهما على النحو الذي يقلصّ من حجم المخاطر ، و مراعاة النوع الاجتماعي خلال إدارة الأزمات حتى لا تكون النتائج أكثر سوءا على المرأة وبالتالي على المجتمع .

من هنا فإنه يجب استنفار مراكز الدراسات ، وكافة المنظمات الإنسانية ، والنشاطات النسوية ضمن مشاركة أساسية للمرأة ، للخروج بمجموعة من السياسات البعيدة المدى ، الرامية إلى استصدار التشريعات التي تكفل إنشاء مؤسسات قادرة على الإستجابة على نحو يضمن مواجهة الأزمات بأقل الخسائر ، واحتواء آثارها في أضيق الحدود ، بما يضمن متطلبات المرأة الخاصة ، وبما يكفل استمرار قدرتها على أداء دورها في حالة من الأمن والاستقرار.

لا زال وباء الكورونا يسطّر يوميات قصته المليئة بالمفاجآت مع الإنسانية ، وللمرأة مع الوباء قصة أخرى ، فهي تثبت من جديد إصرارها وقوّة عزيمتها التي تتوارى خلف أنوثتها ، فالوباء يشكلّ تجربة حقيقية من الوعي والإدراك اللازمين لوضع السياسات المستندة إلى التشريعات الكفيلة بإعداد المجتمعات لتحسن التكيّف مع ظروف الأوبئة ، والحروب ، والكوارث المختلفة ، بما يضمن العدل والرحمة ، وبما يجنّب المرأة ثقل ما تحمّله لها الثغرات المهملة في مراعاة النوع الاجتماعي ، فهي تراهن على ما يكمن بداخلها من شجاعة ، وعاطفة ، وقوّة إرادة ... فلنساعدها لتكسب الرهان .

*أخصائي علم الإجتماع

Dr.amer.awartani@gmail.com