عندما يكتب إنسان في صحيفة بوزن الرأي بكل ما لديها من حضور وما تمثله من تاريخ ومفاهيم وهوية، تصبح عملية انتقاء الفكرة والكلمات مهمة شاقة لوجوب مراعاتها المعايير الموضوعية والأسس الفنية المرعية كحالة صحافة عريقة وهنالك مستوى معين ترفض الصحيفة التنازل عنه وبنفس الوقت يتوجب على الكاتب أن يقدم رأياً لـ الرأي يتناول ما يستجد على الساحتين الوطنية بشكل اساسي والعربية كما هي دلالة الشعار القابع على الرأس منذ عقود وبهذا المعنى فلا يرد القول بجواز فوات الحدث وتسلله من بين يدي الكاتب الذي يتوجب عليه اجتراح ما هو استثنائي..

تابعت ما كتب عن خطاب جلالة الملك يوم الجمعة الماضي وقد أُشبع بحثاً وتمحيصاً فتناوله الزملاء أهل الحرفة بما يليق به من موجبات وأثر فاخترت بالأمر وأعيتني الكلمات وجهدت بالفكرة وكلما قلبت الخطاب يمنة ويسرة وجدت فيه ما هو جديد ويصلح للارتكاز والدلالة فتجوس الخواطر وأمسك القلم فأجد من سبقني لأعود على بدء للبحث والتمحيص لعل الله يهدي عبده لما يحب ويرضى وهذا ما كان من حالٍ على مدار يومين فقررت أن اقدم شيئاً مختلفاً عما استرسل وسال به حبر أهل الصنعة لأضطر رغم انفي ان أعيد مشاهدة الخطاب لأكثر من ثلاثين مرة ولكن دون جدوى..

حقيقة لا خيال رجعت لأمهات الكتب فطرقت باب الأمير (لميكافيلي) فلم أجد قاعدة يمكن تطبيقها على الخطاب لأنه ببساطة مليء بالقيم والاخلاق فرحت أبحث في فلسفة القوة (لنيتشة) فوجدته ابعد ما يكون عن فلسفة طغيان الاوامر والجبر لأنه مليء بقوة الحب فاستعنت بقواعد سيكولوجيا الجماهير (للوبون) فوجدته خطاباً يكسر كل القواعد والقوالب النمطية وإن شئت قلت خارج المألوف او المعروف من الساسة والملوك والرؤساء بالضرورة فلا هو بالخطاب ولا الرسائل ولا يخضع لعلم أو منطق أو مفردات تعلمناها أو علمناها فهو من قبيل ذلك السهل الممتنع الذي يعلو ولا يعلى عليه ويصيب القلب قبل أن تصل سهامه أهل العقل فلا هو بذلك ولا ذاك ولكن ما بين البينين اذا اجتزأته عَبّر واذا جمعته عَمّر ذو طبيعة خاصة بقلب أو أكثر لا يخضع لقاعدة بل يُخضع كل القواعد..

في غمرة الحيرة وتجرع كأس الحاجة لومضة أو إثارة من فكرة يشاء الله أن اطلع صدفة على خاصةٍ للملك فكان توقيعه الذي ما عالجني يوماً وقد عجلت له فوقع في قلبي قوله تعالى (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح).. فبت من ليلتي اتأمل توقيع جلالته لأجد المقال يتجسد فيه ويكأنه ينطق بتلك المحبة الكاملة والعفوية الصادقة والوضوح الكامل والنهج الابوي والارادة الصلبة وروح المثابرة والسعي للانجاز والانضباط والنظام والترتيب العسكري والخطاب التعبوي و اللين من غير ضعف والحزم من غير عنف ليكبر فينا ونكبر فيه كقائد لا ملك وببساطة شديدة لقد تذكرنا كل شيء ونسينا أننا أمام (هاشمي) أما الهاشميون فهم عبر التاريخ قادة لا ملوك وأما القادة فالتاريخ يعبرونه ولا يعبرهم وهو فقط هو لا غيره من يكتبهم ويكتب عنهم لذا ليس لدي ما أقدمه فبكل حجم الحروف وخيال الشعراء ورونق الأدباء وواجب الرسالة اعتذر من الرأي..