يعتبر عقد الإيجار من أهم عقود المنفعة التي تبرم ما بين مالكي العقارات والمستأجرين وهي من أكثر العقود انتشاراً بين المواطنين سواء كانت لغايات تجارية أم مدنية لغايات السكن العائلي وخلافه ومع بدء انتشار وباء كورونا عالمياً وإعلان العمل بقانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992 وصدور الإرادة الملكية السامية بالموافقة على العمل به اعتباراً من تاريخ 17/3/2020 وذلك سندا لأحكام المادة 124 من الدستور الأردني والتي تنص على (إذا حدث ما يستدعي الدفاع عن الوطن في حالة وقوع طوارئ فيصدر قانون باسم قانون الدفاع تعطى بموجبه الصلاحية إلى الشخص الذي يعينه القانون لاتخاذ التدابير والإجراءات الضرورية بما في ذلك وقف قوانين الدولة العادية لتأمين الدفاع عن الوطن ويكون قانون الدفاع نافذ المفعول عندما يعلن عن ذلك بإرادة ملكية تصدر بناء على قرار من مجلس الوزراء) وكذلك بعد صدور الإرادة الملكية السامية بالموافقة على قرار مجلس الوزراء المتضمن إعلان العمل بقانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992 صدر أمر الدفاع رقم 2 المتضمن تعطيل الحياة اليومية حيث جاء به (1-يحظر تنقل الأشخاص وتجوالهم بجميع مناطق المملكة وذلك ابتداء من الساعة السابعة صباحا من يوم السبت الموافق 21/3/2020 وحتى إشعار أخر.2-تغلق جميع المحلات في مناطق المملكة كافة وسيتم الإعلان صباح يوم الثلاثاء الموافق 24/3/2020 عن أوقات محددة تسمح للمواطنين من قضاء حوائجهم الضرورية وبالآلية التي ستعلن في حينه.)

وكذلك صدر أمر الدفاع رقم 3 لسنة 2020 مبينا العقوبات المفروضة على كل من يخالف أوامر الدفاع بما يلي: ( استناداً لأحكام المادتين (3) و (7) من قانون الدفاع رقم (13) لسنة 1992- ولاحقا لأمر الدفاع رقم (2) تاريخ 20/3/2020 ، أقرر إصدار أمر الدفاع التالي: أولا: يعاقب كل من يخالف أمر الدفاع رقم (2) لسنة 2020 بحظر تنقل الأشخاص وتجوالهم في جميع مناطق المملكة ، والبلاغات الصادرة بمقتضاه بالعقوبات التالية: 1. بغرامة لا تقل عن (100) دينار، ولا تزيد عن (500) دينار إذا كانت المخالفة لأول مرة، ولا تتم الملاحقة إذا قام المخالف بدفع الحد الأدنى من الغرامة خلال أسبوع من تاريخ وقوع المخالفة.2 الحبس مدة لا تزيد عن سنة، أو بغرامة لا تقل عن (100) دينار، ولا تزيد عن (500) دينار، أو العقوبتين معا في حال التكرار.3. تضبط المركبة المستخدمة أثناء حظر التجول مدة (30) يوما. ثانيا: يعاقب كل من يقوم بفتح محله من المصرح لهم في غير الساعات المسموح بها، بغرامة لا تقل عن (1000) دينار، وبإغلاق محله لمدة (14) يوما.ثالثا: يعاقب كل من يقوم بفتح محله من غير المصرح لهم ، بالحبس مدة لا تزيد عن (3) أشهر، أو بغرامة (3000) دينار، أو العقوبتين معا.)

وبناء على صدور أوامر الدفاع رقم 2 المتضمن حظر تنقل الأشخاص وإغلاق جميع المحلات وكذلك أمر الدفاع رقم 3 والذي فرض عقوبات على المخالفين وبناء عليه فقد قام معظم المواطنين بالتقيد بأوامر الدفاع من عدم التجوال وإغلاق المحلات والمصانع والمتاجر ومقار الشركات وغيرها وبالنتيجة التوقف عن ممارسة أعمالهم وحياتهم اليومية والالتزام بتعليمات الحكومة المتمثلة بالحجر المنزلي وبالتالي عدم مقدرتهم على تنفيذ التزاماتهم المالية سواء أكانت مستحقة لهم أو عليهم ومن ضمنها الالتزامات المالية المترتبة على عقود الإيجار المبرمة كون أن معظم المحلات التجارية ومقار الشركات وحتى المنازل المخصصة للسكن العائلي معظمها مستأجر والسؤال الذي يثور هنا هل يعفي قانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992 المستأجرين أو المالكين من الالتزامات المترتبة عليهم بسبب تفشي وباء كورونا وأوامر الدفاع الصادرة بموجبه؟

وللإجابة على هذا السؤال من منظور قانوني لا بد من الإشارة ابتداء إلى المادة 658 من القانون المدني الأردني التي عرفت عقد الإيجار بأنه( تمليك المؤجر للمستأجر منفعة مقصودة من الشيء المؤجر لمدة معينة لقاء عوض معلوم) الأمر الذي يجعل من عقود الإجارة عقودا ملزمة للجانبين ومستمرة مما يعني أن المستأجر ملزم بالوفاء بالتزاماته العقدية والتي على رأسها دفع بدل الإجارة وفي ظل تفشي وباء كورونا وسريان قانون الدفاع وصدور عدة أوامر دفاع بموجبه تضمنت حظر تجول الأمر الذي دفع بالمستأجر بعدم قيامه بدفع الأجرة المترتبة عليه منذ بدء سريان قانون الدفاع في 17/3/2020 فهل يترتب على ذلك أننا أمام قوة قاهرة تجعل من تنفيذ الالتزام مستحيلا وفقا لأحكام المادة 247 من القانون المدني الأردني والتي تنص على (أنه في العقود الملزمة للجانبين إذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا انقضى معه الالتزام المقابل له وانفسخ العقد من تلقاء نفسه فإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل ومثل الاستجابة الجزئية الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة وفي كليهما يجوز للدائن فسخ العقد بشرط علم المدين) ، أم أننا أمام نظرية الظروف الطارئة التي بينها المشرع الأردني في المادة 205 من القانون المدني والتي جاء فيها ما يلي( إذا طرأ حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلا صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للمحكمة وتبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك) وقد استقر الفقه القانوني على أن الشروط الواجب توافرها في نظرية الظروف الطارئة هو أن تكون عامة بحيث تشمل جميع أرجاء البلاد ومتعلقة بحدث طارئ وغير متوقع بحيث تجعل هذه الظروف أو الحوادث الاستثنائية من تنفيذ الالتزام مرهق للمدين لا مستحيلاً ، وهذا برأي ما ينطبق على وباء كورونا المستجد من حيث أنه أمر طارئ لم يسبق للأردن أن واجه ظرف مثله من حيث تعطل الحياة اليومية والعامة للدولة لأيام والسماح لبعض القطاعات في أيام أخرى بالعمل من أجل استمرار وديمومة الحياة مما يجعلنا الأقرب إلى تطبيق نظرية الظروف الطارئة وليس القوة القاهرة ، وهذا ما سيكون مرده مستقبلاً لقضائنا الأردني العادل النزيه من خلال المحاكم المختصة والتي ستكون صاحبة الصلاحية والسلطة التقديرية بتطبيق معايير الظروف الطارئة الاستثنائية وتقدير معيار الإرهاق للمدين (المستأجر) وتخفيف الالتزام عليه إلى الحد العادل والمعقول اذا ما قدر للقضاء العادل بسط رقابته على النزاعات التي من الممكن عرضها عليه والتي اتوقع انها ستكون باعداد قضايا كبير ستزيد العبء في العمل على قضائنا العادل ان لم يصدر امر دفاع بهذا الشأن .

وإذا ما رصدنا الحالة التي نعيشها اليوم ووقوفاً عند نص المادة 11 من قانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992 والذي تقرر إعلان العمل به بتاريخ 17/3/2020 والتي تنص على (إذا تعذر تنفيذ أي عقد أو التزام بسبب مراعاة أحكام هذا القانون أو أي أمر أو تكليف أو تعليمات صادرة بمقتضاه أو بسبب الامتثال لهذه الأحكام فلا يعتبر الشخص المرتبط بهذا العقد مخالفا لشروطه بل يعتبر العقد موقوفاً إلى المدى الذي يكون فيه تنفيذ العقد متعذرا ويعتبر ذلك دفاعا في أي دعوى أقيمت أو تقام على ذلك الشخص أو أي إجراءات تتخذ ضده من جراء عدم تنفيذه للعقد أو الالتزام .

وبناء عليه فإننا بحاجة اليوم إلى إصدار أمر دفاع يساهم في عجلة الاقتصاد الوطني من خلال إعفاء الشركات والقطاعات المتضررة جراء إنتشار وباء كورونا المستجد بحيث يراعي أمر الدفاع مبادىء العدالة وموازنه المصالح والمنافع المتبادلة وفقاً للحالتين التاليتين وهي :

الحالة الأولى : القطاعات المستأجرة والتي لم تتأثر بفيروس كورونا بل إن أوامر الدفاع سمحت لها ومن أجل استمرارية ديمومة الحياة بالعمل مثل قطاع التموين كالبقالات والدكاكين والسوبر ماركت في الأحياء ومحلات بيع الخضار والفواكة والماء والصيدليات والمخابز وغيرها ممن استمرت في أعمالها اليومية بشكل اعتيادي فإن هذه القطاعات تكون ملزمة بدفع الأجور المترتبة عليها بموجب عقود الإجارة المبرمة معها على اعتبار أنها لم تتعرض لظرف طارئ واستمرت بالعمل اليومي المعتاد.

أما الحالة الثانية : فهي القطاعات التي تأثرت بفيروس كورونا وقانون الدفاع وأوامره مثل قطاع الملابس والحرف الصناعية والمهنية كالنجار والحداد والسباكة وغيرهم والقطاعات المهنية الأخرى كالمحامين والمهندسون وغيرهم وقطاع الشركات الصغرى والكبرى ممن تعطلت أعمالهم اليومية بموجب هذا الظرف الطارئ الذي تعيشه المملكة بناء على إجراء مسح لكافة القطاعات المتضررة لحصرها وشمولها بأمر الدفاع الذي سيصدر الأمر الذي يتطلب إصدار أمر دفاع يتضمن إعفاء القطاعات المتضررة بسبب فيروس كورونا من الالتزامات المترتبة عليهم بموجب عقود الإجارة المبرمة من قبلهم عن الفترة من إعلان قانون الدفاع في 17/3/2020 ولمدة ثلاث شهور قادمة.

أحببت أن أضع هذه الإضاءات القانونية والمقترحات بين يدي صانع القرار متطلعاً للمصلحة الوطنية والاقتصادية لأردننا العزيز الغالي داعياً المولى عز وجل أن يحمي الأردن وقيادته الهاشمية الحكيمة وشعبه الواعي المخلص المنتمي لتراب الوطن من كل مكروه وسوء ووباء.

hazem.alnsour@yahoo.com