في عام 1869، اثناء الانفلونزا المسماة الاسيوية أو الروسية، والتي ذهب ضحيتها مليون شخص، كتبت كاثلين أومار تقول:

"وبقي الناس في المنازل، وقرأوا الكتب، وانصتوا بعضهم إلى بعض، واستراحوا، ومارسوا التمارين الرياضية، والفنون المتعدّدة، ولعبوا، وتعلموا طرقاً جديدة في العيش اليومي، وتوقفوا واستمعوا أكثر عمقاً. شخص ما عاش التأمل، وآخر صلى، والتقى شخص بظله لأول مرة، وبدأ الناس يفكرون بشكل مختلف، ونال أشخاص عديدون الشفاء.

وغاب أشخاص كثيرون، بعد أن تصرّفوا بانواع من الجهالة والغباء، غير مدركين الخطر، فانصرفوا بلا معنى ولا شفقة.

وبدأت الأرض تتعافى، وحين زال الخطر، خرج الناس الى حياتهم بالتدريج، وحزنوا على موتاهم، وفطنوا إلى وجوب اتخاذ خيارات جديدة، وحلموا برؤى ومشاريع متجدّدة، واتبعوا طرقا مبتكرة لاستمرار الحياة، واستردت الأرض عافيتها، مثلما عادت الصحة إلى الإنسان».

وقد تمت إعادة طباعة القصيدة أثناء انتشار الانفلونزا الإسبانية عام 1919، والتي بدورها حصدت 50 مليون نفس (تخيّلوا..!). وبعد عدة أشواط من الحروب في القرن العشرين، ونشوء عدد من الانفلونزات، نجد أنفسنا اليوم أمام إعادة لأحداث التاريخ، وبشكل أكثر مأساوية من جهة، وأكثر تضامناً من جهة أخرى، لأنّ إنسان اليوم أكثر تقدّماً علمياً وتقنياً، وبالتالي صرنا نعرف عن كلّ حالة في العالم، وعن «عدّاد» المصابين والضحايا الذين يسقطون يوماً، مع كل أسف. إلا أنّنا لا نستطيع نكران أنّه وفي كل جولة انفلونزا كونيّة أو «جائحة» أو بلية أو تهلكة أو داهية، كما تعني باللغة العربية، فإننا نجد الإنسانية «نائحة»، بسبب الضعف البشري الذي يغلّف بني آدم، مهما بدوا في الماضي اقوياء ويستطيعون القيام بكل شيء. وكما قال الشاعر كعب بن زهير: كلّ ابن انثى وإن طالت سلامته.. يوماً على آلة حدباء محمول.

نطلب رحمة الله وتعافي الأرض قريباً، وتعافي الإنسان، أولاً وأخيراً، فهو القيمة الكبرى في هذا الوجود، وحين سيخرج من جديد إلى حياته المعتادة، سيبتكر طرقاً جديدة في العيش، تختلف عمّا كان عليه في السابق، وسيتيح للإنسانية، باذن الله، أن تكمل سيرها نحو آفاق جديدة.

Abouna.org@gmail.com