مقاومة المجتمع للأخطار التي تتهدده، كمقاومة الإنسان للأمراض التي تعرض له؛ فالجسم القوي في فاعلية جهازه المناعي الذي أودعه الله فيه، وفي كفاءة أعضائه وأجهزته التي خلقها الله تعالى له، سيكون مؤهلا لمقاومة المرض والانتصار عليه، بينما يقف الجسم الضعيف الذي تآكلت أجهزته وخلاياه، وأنهارت قوته ومناعته، عاجزا عن المقاومة، فلا يلبث أن ينهكه المرض ويفتك به ويقضي عليه.

وكلما كانت المجتمعات أكثر وعيا وإيمانا وحيوية، نهض أفرادها بمسؤوليتهم الاجتماعية في الانتصار لأوطانهم من الأخطار التي تتهددها.

واليوم يواجه وطننا الغالي، ومعه العالم كله، وباء كورونا وأخطاره وآثاره، وإذا كان قائد الوطن وخلفه مؤسساتنا الرسمية وجيشنا الباسل وأجهزتنا الأمنية لا تنفك تبذل جهدها للحفاظ على صحة المجتمع وحياته، فإن واجب الجميع أن يكون مشاركا ومساهما في هذا الجهاد العظيم الذي تخوضه المؤسسات كافة، لا مجرد مشاهد ومراقب له عن بُعد.

وفي ظل الوضع الاستثنائي الذي نعيشه اليوم فنحن أحوج ما نكون إلى الإبداع في المبادرات التي نطلقها، وإلى التجديد في العديد من الوسائل والطرق التي نواجه بها التحديات، فالظروف الاستثنائية تحتاج إلى أفكار استثنائية، وإلى وسائل استثنائية، وإلى مبادرات استثنائية.

وإن المكوث في البيوت والبقاء في المنازل، ينبغي أن لا يكون صورة للانقطاع عن الحياة والانعزال عن الناس والراحة الممتدة، بقدر ما هو فرصة لنا جميعا للاجتهاد في إبداع أفكار جديدة ومقترحات مفيدة وواقعية، تقدم الرأي والمشورة لأصحاب القرار، وتكون عونا في المجال الصحي و الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي، ودافعا قويا لمبادرات فاعلة لتحقيق الإصلاح الديني والأخلاقي والقيمي في المجتمع، لأن تجديد حياتنا مع الله تعالى، من أقوى أسباب تفريج الكرب وصرف السوء وكشف الضر عن المجتمع، فإذا أغلقت أبواب الأرض، فإن أبواب السماء تبقى مفتوحة لا تغلق في وجه عباده، « أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

وإني لاستحضر في هذا المقام ما ذكره لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يتنعم في الجنة لكونه قدم مبادرة مفيدة للمجتمع، فقال: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِى الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِى النَّاسَ» لقد كافأ الله هذا الرجل لأنه قام بمسؤوليته تجاه مجتمعه وشعر أنه مسؤول عن سلامة الآخرين وأمنهم وان كل ما يؤذي المجتمع يؤذيه بالضرورة، فقام بمبادرته البسيطة في شكلها وصورتها، والعظيمة في أثرها وقيمتها.

ما أحوجنا اليوم إلى تفعيل هذه الروح العظيمة التي وجدنا الثناء على صاحبها، بالتحفيز على المبادرات الجديدة، والأفكار المفيدة، والخطط الرشيدة، وفي التشجيع على كافة أشكال الإبداع في مواجهة الوباء.

أستاذ الفقه-كلية الشريعة - الجامعة الأردنية

gotorahmannn@hotmail.com